أ 103 الطريق إلى التقوى
الجزء ١ · صفحة ١٦وليس من التقوى في شيء أن يدعي الإنسان تقوى الله بلسانه وهو يغدو ويروح على أكل الحرام وليس من تقوى الله في شيء أن يدعي الإنسان أنه من المتقين وأنه منتظم في سلكهم وملتحق بزمرتهم ولكنه مع ذلك يغدو ويروح وهو لا يبالي بما يأتيه من معاصي الله عز وجل بحيث يلغ لسانه في أعراض الناس ويقع في حرمات الله ولا يبالي بما ينهك من فرائض الله فإن ذلك كله مما ينافي تقوى الله سبحانه وتعالى على أن بعض علماء السلف قال: أن الإنسان لا يصل إلى درجة التقوى ولا يستحق الاتصاف بأنه من المتقين حتى يكون ما في سريرته أو أخرج ووضع في طبق وطيف به في الأسواق على الناس لما استحي منه" ومعنى ذلك أن تكون سريرته كعلانيته أن يظهر العلانية الحسنة ويظهر السريرة السيئة وإنما تقوى الله قبل كل شيء في القلب بحيث تكون السريرة صالحة ويكون الإنسان خائفا من ربه وراجيا منه معتمدا عليه ومنيبا إليه ومتكلا عليه ومفوضا كل أمره إليه ومخلصا له في كل ما يأتيه وما يذره هذا والله تبارك وتعالى عندما أمر عباده في هذه الآية بالتقوى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه ﴾ اتبع ذلك قوله: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ فإن هذه الدنيا ليست هي كل حياة الإنسان وإنما هذه الحياة جزء لا يمكن أن يقاس بالحياة الأبدية الدائمة في الدار الآخرة فإذا عليه أن يفكر فيما بعد، في الغد عندما يقف أمام رب عزيز مقتدر قاهر يعلم ما في طوايا الضمائر وما بين الحنايا فما من شيء تنطوي عليه سريرة الإنسان إلا وهو معلوم لله تبارك وتعالى، فإذا عليه أن يفكر في قدومه على ربه ولئن كان الإنسان يشعر بأنه يحاسب من قبل مسئول أقوى من البشر في حياته الدنيا فليحسب حسابه لتلك المحاسبة بحيث يعد لكل سؤال جوابا حتى يتبين منه أنه لم يخنه في شيء ولم يخالفه في أمر فكيف إذا كان القدوم على الله تبارك وتعالى وكيف إذا كان المحاسب هم السميع البصير الذي لا تخفى عليه