حديث الروح
الجزء ١ · صفحة ١كتاب حديث الروح الشيخ ناصر السابعي
للروح حديث وأيما حديث
طالما همست إلى حاكية ..أو شاكية … أو باكية .. فتسرد لي من
حديثها العذب .. وتبث من أشجانها .. تردد من آهاتها..
وكلما راق للقلم أن ينظم لقصتها ملحمة، أو يرسم لوجدانها زهرة، أو يحصى لأناتها عدة .. هتفت بي قائلة :
هل ستبوح لأحد بهذه الزفرات ؟،
قالت لي الروح :
سأحدثك بحديث لم أبثه إلي أحد سواك ، غير أنه حديث يعرفه كل أحد لأن أرواحهم حدثتهم به :
في نبضة القلب ، وومضة العقل ، وانشراح الصدر ، والتياع الخاطر ، وإشراقة النفس ، ولدغة الفراق ، وجذل اللقاء ، وسمو الوجدان ولفحة الإساءة ، ونفحة الأيمان ، وهتاف الروح …
ثم تنهدت الروح تنهيدة ، أخذت نفسا عميقا … تهيأت لتشرح لي مكنون سرها ، وتهمس إلي بكلماتها وحروفها … وهممت بالحديث …
وحينما أمسكت بالقلم لتقول أمسكت بيدي فقالت :
هل ستبوح لأحد بهذه الكلمات ؟
أيتها الروح : لن أبوح إلا للروح … ولن أتحدث إلا هامسا … . ولكني لا املك أن انطلق الهمسة عاصفة تحمل إلى كل روح زفرة منك ، تترجم كل حديث قيل ، وكل كلام لن يقال … ..
روح الكلمة
الكلام الذي لا يثير الروح كلام ليس فبه روح … . والكلمة التي لا تتنفس جثة ليس بها حياة … . فالكلمة نفثة من الخاطر جالت فيه حتى لم تقدر على البقاء فجاءت لفظة تمثل ميلاد الحياة ذات كيان واستقلال … .
أجل … ... … ... ليت كل الكلمات المنتظمة في عبارات ، أرواح التقت لتؤلف مجتمعا من المعاني … فان طارت حلقت معا … وان طربت رفت معا … وان أسفت تحرقت معا … وان غضبت فان لها هديرا كهدير أمواج البحر الهائج … وان حزنت فان لها هديلا كهديل أفواج الحمائم التي تعزف شكواها … وأما إن هامت فلا تسل عن الليل إذا سجى ، وحياة في عالم يشرب وجدانه من ينبوع الخلود … . لماذا تموت المعاني قبل أن تولد
الكلمة في كثير من الأحيان ؟! تخرج الكلمة هامدة جامدة … فتلفظ لتسقط كالحصاة الصغيرة التي لا تبرح مكانها … .