حديث الروح
الجزء ١ · صفحة ١٤قليلا من الصمت أيتها الروح … فلعلك أحوج إلى الصمت منا إلى الإنصات … ... … ... ..ولعلنا أحوج إلى الحديث منا إلى الصمت .. فلطالما كتمنا وكتموا … وحينما تتكلم الروح فلا بد لنا ولهم من نفثة خاطر ، وزفرة باطن ، وبوح نفس ، ولهفة وجدان … فلنتكلم نحن وهم بعيدا من الزفرات … ولننشر صفحات طويناها دون أن تقرأها الروح علينا …
فأي حديث سنقوله ينسينا حديث الروح ؟
وهل حقا سيصرفنا ما نقوله ، عن الاستماع إلى الروح حين تهمس وتتكلم ؟
أحسب أن كثيرا لا يعنيهم من الحديث إلا ما تقوله الروح ولا يغنيهم من البث إلا ما تبوح به الروح … فلو تكلموا ما تكلموا ، ولم يكن ثمة همسة من حديثها ، أو لمسة من جناحها … ولم يكن لها نفحة باردة . أو محرقة … ولم يكن منها شكوى تتردد ، أشواق يتوقد … فان كلا مهم لن يقع منهم ومن غيرهم موقعا ، ما لم تومض كل كلمة إلى الأمواج إيماض البرق للأرض الظمأى ، لتقول الكلمة للأرواح :
أنى قادمة على جناحين خاطفين في لمح البرق ، فما تلبث الأرواح أن تدرك أن للكلمة روحا ترف بها ، قد أشارت بخفقه من جناحها إلى أن الروح التي لم تتكلم قد بثت حديها قبل أن تلفظ الكلمة ، وقبل أن يخفق جناحاها ، وقبل أن تصل لمحة إبراقها إلي تلك الأرواح … ..
فهل نستطيع _يا ترى _ أن نقول للروح : لا تتكلمي ، وهي التي حدثتنا بما نريد أن نقول ؟
أيتها الروح ذات الجناحين الهفهافين : طيري حيث شئت ، وقولي ما شئت ، أو اصمتي كما شئت ، فان الأرواح ـ من غير أن تتكلمي ـ قد فهمت كل شئ .
همسة أخيرة
عندما يرفرف القلب في قفصه يلتمس بخفقه جناحيه أن يجافي ما بين الضلوع ليطير الى الفضاء ، مستقبلا ذلك الطيف الآتي من بعيد ،
توحي الروح :
إلى الشفتين بالبسمات … .. والى العينين بالدمعات … والى الدماء بالدفقات … .
ولكن … ...