حديث الروح
الجزء ١ · صفحة ٤وتلتفت في طريق عروجك إلى روح خفت بريقها ونضب نضارتها ، فإذا وحي سناك – وقد أرسلته العناية الإلهية – يبرق إلى غمام السماء ليبل تلك الأغصان التي سقطت أوراقها ، لتورق مرة أخرى .
هنا وهنالك .. أومضت كل روح ،فالتقى في عنان السماء طائران تحملهما روح واحدة .
وهل يجدي الصمت ؟
عجبا للروح إذا صمتت ،وإذا نطقت .. كالبحر الذي تنقلب أمواجه شفاها تخبر عن لوعة وغليان ، وعالم ملئ بالحياة … فان هدأ البحر همست الشفاه ، وان هاج هتفت الشفاه …
كذلك هذه الروح كل شئ بها هو حديث تتباين أمواج تردده .. فان نظرت الروح تحدثت … وان ابتسمت تحدثت … وان رفرفت تحدثت … .. وان اغتالها الوجد تحدثت … وان حنت تحدثت ..
فيا ترى أي شئ يخفيه صمت الروح ؟
ولكن … ... … ...
هل كل حديث الأرواح يفهمه كل أحد ؟
أم كل حديث الأرواح تسمعه كل روح ؟
إن حديث الأرواح هو كالصنعة للصانع ألا الصانع ، ولا يتذوق القصيدة ألا الشاعر ، ولا يقرأ اللوحة ألا الرسام .
بالله ، هل كل الأرواح تفهم لغة حديث الأرواح ؟ لم تنطق الروح قديما ، ولكنها كتبت ديوانها وأنشدته على مسرح الغيوم ، حينما استيقظت النجوم وحضرت الأرواح … هناك علت الهتافات …
ولم تنطق الروح قديماً ، ولكنها- من غير أن تتكلم – كانت تلقي كل يوم بيتاً من قصيدتها الطويلة .. ولم تنطق الروح قديماً، ولكنها حين التفتت وحين سكتت .. وحين وثبت وحين رفت .. ما كانت تقول أي شيء ، ولكنها كانت تقول كل شيء ..
وأخيراً.. تحدثت الروح ..
فماذا كان ؟
انصهرت الروح الأخرى فسالت حبراً، ثم كتبت :
على ضفاف المنى أستنشق المطرا
أسائل الشمس هل غيم المساء سرى
أشم من تربة الوديان أن على
تلك الرياحين تيار السماء جرى
متى المياه التي طارت مرويةً
صدر الفضاء تروي صدري النضرا
متى العيون التي ترنو محلقةً
على جناحين ترنو ها هنا لترى
متى النجوم حواها الليل حالمةً
برؤية البدر يجلو ليلها القمرا
وذلك الحلم المنسي ملتحفاً