حديث الروح
الجزء ١ · صفحة ٣فإذا التقت الأرواح أدركت – في لحظات صمتها الطويل – كل شئ … . لأنها تشعر بغير جنان ، وتتحدث بغير لسان … وإذا افترقت الأرواح أدركت – وهي متباعدة –كل شئ … لأنها ترى بغير عيون ، وتسمع بغير آذان ، وتفهم دونما تفكير ، إذ بلغت من الشفافية والصفاء والإخلاص ما تنكشف لها أسرار الأرواح …
وإذا شاءت الأرواح الوصال في وقت ومن أي مكان فلها ذلك ، لأنها تطير بغير أجنحة ، ولها من سرعة التناغم الوجداني ما تتخطى به حدود المكان والحواجز المادية .
هنا تزفر بعض الأرواح فرتها المحرقة متنهدة قائلة : أهكذا شأن كل الأرواح ؟
إن من الأرواح روحا خفت فتوثبت للطيران .. ومن الأرواح روحا رفت ، فأوشكت على الوصول … . ومن الأرواح روحا شفت ، فاستغنت بشفافيتها عن كل شئ … وإذا بها – وهي في مكانها – تسمع وترى وتفهم ، وتغوص إلى الأعماق لتصطاد لآلئ الأصداف .يا ترى ..أي الأرواح بلغت بها شفافيتها إلى كشف أسرار الأرواح ؟
هتاف الروح
لنستقل الروح ما تشاء من مركبات السماء التي تجوب الآفاق ، ولتكن على ظهر غمامة ، أو كف سحابة ، أو متن ذات جناحين تعلو فوق السحاب … فليس ذا ولا ذاك علوا حقيقيا للروح ، ولا سموا يرتقي بالوجدان .
تيهي أيتها الروح الطاهرة حينما يكثر الصخب من حولك في
الطائر بدفقه من قلبك الخفاق ، ويعلو بثقة من وهج الأعماق .
وتيهي أيتها الروح حينما تنزل بك السكينة إلى دفء الأرض،
فتسطع منك إشاعة ذات بريق على قشرة التراب اليابسة فتستحيل حدائق ذات بهجة.
وتيهي أيتها الروح حينما تكونين كوكبا بين الكواكب ، أو
نجما بين النجوم ، أو شمسا تسطع ، أو قمرا ينير .
لا غرو أن الروح في صعودها وفي هبوطها ، وفي أرضها وفي جوها ، أو حتى في البحر ، هي كما هي إشعاع وطهر ونقاء .
يا كوكبا منيرا في الأرض أنت كوكب مضيء في السماء ..
ترسل ومضات برقك من بعيد لتخضر أجنحة الأرواح حينما تكاد
أن تيبس ، فإذا بالحياة تنبعث من جديد .