بيع الإقالة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤وقد اشتهر الحنفية بالتسامح في المعاملات والتوسع في كثير من الأحكام حسبما يوحي به الظاهر أحياناً من عدم مجانبة شرع الله، لذلك كانوا أكثر المذاهب توسعاً في أحكام هذا البيع بل أصل نشأته كانت في أكنافهم، ولكنهم مع ذلك اختلفوا في حكمه إلى آراء متعددة، قال العلامة بيرم الثاني منهم: "والتحيل لذلك وإن كان مشروعاً لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين وليس هو من الأمر الهين، فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر" وقد أنهى العلامة البزازي في جامعه وهو من علماء الحنفية خلافهم في ذلك إلى تسعة أقوال، وهي مشروحة في أمهات كتبهم كما أوسعت في بحوثهم ورسائلهم بياناً وتفصيلاً، ولكن العلامة بيرم الثاني ردها إلى خمسة ثم قال: "وما زاد عليها راجع بقليل تأمل إليها" ومن أجل اختصار الجواب أقتصر فيه على إيراد هذه الخمسة بشيء من التلخيص والإيجاز فدونكها:
أولها: أن هذا العقد لا يعدو أن يكون رهناً في حكمه ولو عبر عنه بلفظ البيع حتى لا يكون للمشتري فيه غير حبس العين فيما يكون له على البائع من دين، ومعناه أنه ليس له أن ينتفع بشيء من ريعه، وهو مذهب أبي شجاع وابنه والسعدي وأبي الحسن الماتريدي والقاضي الأمير، استدلالا منهم بأن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها، بدليل جعلهم الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءته كفالة، وما هو إلا اعتبار لجانب المعنى وإلغاء لظاهر المبنى، والذي يفهم من الخيرية أن هذا هو رأي أكثر الحنفية، وما من ريب أن الأخذ بهذا الرأي يفوت على ذوي الأطماع ما يرومونه من التذرع بهذه المعاملة إلى أكل الحرام، فإنهم لا يجدون سبيلا إلى استغلال العين التي اشتروها رأي العين عندما يلزمون به .