نبذ
الجزء ١ · صفحة ١١أما أبو الأعلى المودودي فقد قال في كتابه؛ بعد ما ذكر ما قام به الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (كل هذا أتمه خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مدة 23سنة، ثم قدر الله للأمة زعيمين عظيمين؛ أبا بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما، واصلا عمله كاملاً بجميع شعبه ونواحيه، ثم انتقل الأمر بعدهما إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه وبقي على ما أقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدة من السنين في صدر ذلك العهد، ولكن أمر الخلافة آل إلى السعة والتقدم على مضي الأيام تبعاً لأتساع رقعة الدولة الإسلامية بسرعة، والخليفة الثالث الذي ألقي عليه عبء هذا العمل الجليل كان لا يتصف بتلك الخصائص التي أوتيها العظيمان اللذان سبقاه، ووجدت الجاهلية سبيلها إلى النظام الاجتماعي الإسلامي، وأن تيارها الجارف وإن حاول عثمان سده ببذل نفسه ومهجته إلا أنه لم ينكف، ثم خلفه عليّ كرم الله وجهه، واستفرغ جهده لمنع هذه الفتنة، وصيانة السلطة السياسية للإسلام، من تمكن الجاهلية منها، ولكنه لم يستطع أن يدفع هذا الانقلاب الرجعي الموكوس حتى بذل نفسه، فانتهى بذلك عهد الخلافة على منهاج النبوءة، وحل محلها الملك العضود، وبدأ الحكم يقوم على قواعد الجاهلية، بدلاً من قواعد الإسلام.
ولما أصبح الحكم إلى الجاهلية جعلت عدواها تسري إلى الحياة الاجتماعية، وتدب فيها دبيب السرطان في الجسم الحي، ولا غرو فقد كانت مقاليد السلطة بيدها لا بيد الإسلام، وكان الإسلام -بعد أن فقد قوة الحكم- لا يمكن أن يمنع أثرها من النفوذ، وسلطانها من الامتداد.