نبذ
الجزء ١ · صفحة ١٥أما الأستاذ العلامة أبو الحسن على الحسيني الندوي، فقد قال في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ناعياً على الذين يسلكون نفس المسلك الأموي والعباسي، مبينا ما يجب أن تكون عليه النهضة الإسلامية في البلاد الإسلامية؛ قال: (لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ، كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد، هو شخص الخليفة أو الملك، أو حول حفنة من الرجال هم الوزراء وأبناء الملك، وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد، والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأغراضهم، ولم تكن الأمة التي كان يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن إلا امتداداً لحياته.
لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد، بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها، فإذا استعرض أحد تأريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان، وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة والمجتمع، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها، وتمنعها من الشمس والهواء، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه، وتصبح أمة هزيلة، لا شخصية لها ولا إدارة، ولا حرية لها ولا كرامة، وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف، وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها، ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض وخيراتها.
وكانت الأمة؛ وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية، كلها تعيش عيش الصعاليك أو الأرقاء المماليك، وقد تسعد بفتات مائدة الملك، وبما يفضل عن حاشيته فتشكر، وقد تحرم ذلك أيضاً فتصبر، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً، بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص.