سلسلة من أجل فهم صحيح للإسلام (10): نبذ التعصب المذهبي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

نبذ

الجزء ١ · صفحة ١٧

إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان، ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها، أو مصابة في عقلها، أو فاقدة للوعي والشعور، أو ميتة النفس والروح، إن هذا الوضع لا يقره عقل، ومن الذي يسوغ أن يتخم فوه أو بضعة أفواه بأنواع الطعام والشراب، ويموت الآلاف جوعاً ومسبغة، ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك بالمال عبث المجانين، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم، ومن الكسوة ما يستر جسمهم، ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة وهي الكثرة الإنتاج وحده والكدح في الحياة، والعمل المضني لا نهاية له، وحظ طبقة وهي لا تجاوز عدد الأصابع إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى، بغير شكر وتقدير، وفي غير عقل ووعي، ومن الذي يسوغ أن يشقى أهل الصناعة، وأهل الذكاء، وأهل الاجتهاد، وأهل المواهب، وأهل الصلاح، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير، ولا يعرفون غير صناعة الفجور وشرب الخمور، ومن الذي يسوغ أن يجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهل الأمانة ويقصوا كالمنبوذين، ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس، وسخفاء العقول، وفاقدي الضمائر، ممن لا همّ لهم إلا ابتزاز الأموال، وإرضاء الشهوات، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء، والمؤامرة ضد الأبرياء، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور، وقلة الحياء.

إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً، إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة، فقد كان ذلك على غفلة من الأمة، أو على الرغم منها، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام، واستيقظ الوعي، وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها.

١٧ / ٤٢