نبذ
الجزء ١ · صفحة ٥وتبع هذا المسلك صحابته رضي الله عنهم، الذين حافظوا على هذا النظام فكانت الخلافة الرشيدة مبنية على هذا النظام، قائمة على أسسه، لا فرق فيها بين الخليفة وغيره، فالناس كلهم سواسية أمام الحق، يأتي أحد من عامة الناس، فيقدم شكوى إلى القاضي عن الخليفة نفسه، فيمثل الخليفة أمام القاضي كواحد من سائر الناس، حتى يظهر بينته وحجته، هكذا كانت عدالة الإسلام في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
الانحراف السياسي وإصلاحه
ثم تسلم الأمر من بعدهم قوم لهم أحقاد على الإسلام، لأنهم وتروا في غزوات متعددة كانت بين المسلمين والمشركين، تسلموا السلطة فحولوا الخلافة العادلة إلى قيصرية ظالمة غاشمة يورثها الأب ولده، وكثير من الناس يحبون الدنيا ويجاملون أهلها، ويمشون في ركاب الذين يتولون أزمة الأمور فيها، فمن هنا كانت الدعايات لهؤلاء، فوصفوا بالفضيلة والعدل والاستقامة والحق، ومن أراد أن يقوم ضدهم نشرت عنه دعيات متعددة.
وقد وضعت أحاديث كثيرة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الحاكم تجب طاعته على أي حال برّ أو فجر، عدل أو جار، ما دام يقول لا إله إلا الله، كأنما كلمة "لا إله إلا الله" وسيلة إلى الظلم والعدوان والجور والغشم، وليست وسيلة إلى الحق والعدل، والاستقامة والإنصاف بين الناس، مع أن مفهوم "لا إله إلا الله" هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالملك والقهر والحكم والأمر، فإن الألوهية لله وحده، والناس متساوية أقدامهم أمام الله، لا يتفاضلون إلا بتقوى الله تعالى، فكيف تكون هذه الجملة التي قام عليها العدل والرشد والدين وسيلة لظلم الظالمين، وعبث العابثين، وتكبر المكابرين.