أ 129 سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام11 أثر المعنويات في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٩تستبعد الناس وتستذلهم بينما الإسلام جاء ليحرر الإنسانية ويخلصها من ربقة الظلم واستبداد الظالمين، ولا غرابة أيضاً من قوله: " ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا "، وانما الغرابة في قوله: " ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا " فأي سعة عند المسلمين الذين كان أحدهم يفطر ويتعشى بتمرات ويأوي إلى كوخ ويفترش الأرض ويتوسد الحجر ويلتحف السماء، بينما هؤلاء الفرس كانت عندهم القصور العالية والحدائق الغناء والأنهار الجارية والجواري الحسان، ومع ذلك يجيبه " بأن الله ابتعثنا لنخرجكم من هذا الضيق " أجاب : نعم ، إنه لضيق وأي ضيق، فإن ربعي بن عامر إنما كان ينظر إلى الحالة التي عليها الفرس كما ينظر أحدنا إلى الكلب عند الأوروبي قد ربط بسلسلة من الذهب، فان تلك السلسلة الذهبية لا تجديه شيئاً، وفوق ذلك هو سجين حبيس ولو كانت سلسلته ذهبية، ولو كان يأكل من آنية الذهب والفضة ويشرب فيها، وكذلك كما ينظر أحدنا إلى طائر مسجون في قفص ذهبي، ويأكل ويشرب في آنية الذهب، فأن ذلك لا يؤدي إلى اغتباطه فهو حبيس، فهؤلاء كانوا حبساء حبستهم شهواتهم وعاداتهم وكانوا لا يستطيعون الانفلات من تلك العادات والشهوات إلا بالعقيدة التي تحررهم منها ، وضرب مثلاً لذلك حالة يزد جرد الذي ولى هارباً من سيوف المسلمين، وكان معه ألف طباخ، وألف مغن، وألف قيم على الصقور والحيوانات ، وألف خادم آخرين، ومع ذلك كان يقول (إني في حالة يرثى لها بحيث لم أحمل معي إلا هذا النزر اليسير من الخدم)وعندما عطش في طريقه واستسقى امرأة، توسمت فيه الشرف وجاءت إليه بالماء قال(إنني لم أشرب في حياتي الا مع مغنية )الماء لا يجري في بلعومه إلا بأغنية، قال: أي ضيق أشد من هذا الضيق ؟ وأي هوان اعظم من هذا الهوان ؟ إنما العرب المسلمون الذين كانوا في فسيح الحرية كانوا أحرارا . كان أحدهم يأكل كسرة التمر في يده ويفترش الأرض ويتوسد الحجر ويلتحف السماء ولا يبالي بأي شيء ، هذه هي