صمود النص أمام الطوفان الجارف لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٩هذا؛ ورغم جدية المدرسة الإصلاحية ورسوخ قدمها في العلم، وتأثر من جاء بعدها بها من مختلف المدارس الإسلامية وفي شتى الميادين، إلا أنه لم يكتب لها البقاء والاستمرار، فالتأثر بها شيء؛ واستمرارها شيء آخر، وانقطاعها –في رأيي- يعود إلى الزخم الهائل الذي جابهت به المدرسة الأثرية مدرسة الإصلاح، حيث هاجمتها بشتى الوسائل والطرائق حتى وصفت عَلَميها بأنهم من الزنادقة الماسونيين الذين يكيدون للدين من داخله، واستخدمت أخطاءهم معولاً لهدم بنيانها، وهذا الأمر قائم منذ نشوئها وإلى الآن، هذا من جهة الهجوم، ومن جهة أخرى استطاعت أعاصير المدرسة الأثرية أن تعصف بالمريد الأول لشيخ الإصلاح محمد عبده ووريثه العلمي وهو السيد محمد رشيد رضا، فأصبح رجلاً يدور حول رحى الأثرية، وهو وإن لم يتنكر للإصلاح تنكراً تاماً بل نقل علم شيخه وقد يوافقه في كثير من آرائه، إلا أنه عنده توقفت عجلت مدرسة جمال الدين ومحمد عبده نتيجة جنوحه إلى التيار الأثري التقليدي في التعامل مع النص، وبذلك حققت المدرسة الأثرية لها بضغطها الشديد في الساحة الإسلامية نصراً آخر في العصر الحديث لكنه وللأسف الشديد تأخر في رقي الأمة، وإخلاد للموروث الذي خالط الدين سواء في تأويلاته لنصوص القرآن الكريم، أو بإضافته نصوصاً جديدة للسنة النبوية، ولا ننسى بروز الأصولية كتيار عالمي كاسح يعنى بإظهار الموروثات، رافضاً إعادة النظر فيها، ومتصلباً أمام نقدها، لأن النقد يعني له الحذف والإبعاد والإقصاء والإلغاء، فتأثر المدارس الإسلامية –ومنها الأثرية- بهذا الخط الأصولي العالمي كان له أثر أيضاً في عدم استمرار المدرسة الإصلاحية، وبذلك انكسر منعطف نقد التفكير، ولكن لا يمكن التنكر للأثر الذي أبقاه من بعده.
في الحلقة السابقة أبنت عن موقف المذهب الإباضي من المنعطفات التي ذكرتها، فما موقفه من هذا المنعطف؟.