قطوف اجتماعية (الجزء الأول) بدر بن سالم بن حمدان العبري

قطوف اجتماعية لبدر العبري ج1

الجزء ١ · صفحة ١٥

إنّ الانقطاع عن العبادة بعد رمضان، والرجوع إلى المعصية من جديد، سببه أمران: الأمر الأول اتخاذ رمضان عادة لا عبادة، والأمر الثاني تعظيم رمضان لذاته، والله تعالى في آيات الصيام كتب التقوى والمراقبة الدائمة لصنف واحد فقط، لصنف المعظمين لله وحده، الواقفين عند حدوده وحرماته، يقول تعالى: " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة لأن الله هو الذي أمرنا بتعظيمها لا لذاتها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ".

والله جلّ في علاه لا يحدّه زمان ولا مكان، فهو موجود في رمضان وشوال وغيرها من الشهور، لذا وصف الله تعالى المنتهكين لحرماته بأنهم ما قدروا الله حق قدره، أي لم يعظموه حق عظمته، وإنما قد يلتزموا بأمر، أو يبتعدوا عن نهي، عادة أو مراعاة لعرف عام، ولكن لا تلبث هذه العادة أو هذا العرف أن يتخلخل إذا ما هيأت الأسباب لخرق هذا العرف وهذه العادة.

أما الذي يعبد الله في رمضان تعظيما لله، ويبتعد عن النواهي خوفا من الله؛ لا يمكن بأي حال أن ينتكس بعد رمضان؛ لأنه يعلم إنما رمضان محطة وقود يتزود فيه بالتقوى، ليكون أكثر صلاحا وتقوى في سائر العام.

والله تعالى جعل بعد رمضان مواسم للمسابقة إلى الخيرات بعد التقيد بالواجبات، فالله حبب لنا الصيام في أيام مختلفة من العام، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يومي الخميس والاثنين، وصيام الست من شوال، وصيام يومي عرفة وعاشوراء، وصيام أكثر أيام شعبان.

١٥ / ٩٨