قطوف اجتماعية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٤٦لذا راعى الإسلام الجانب النفسي والميول العاطفي، ولم يجعل من القرابة أو النسب حاجزا لتحقيق هذا الجانب، فقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم – عن نكاح الشغار وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع أخرى، وهذا النكاح وإن كان النهي عن جعل البضع كمهر إلا أنّه في الوقت نفسه مراعاة للجانب النفسي والعاطفي للمرأة، ولهذا أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، والمخطوبة إلى خطيبها فعن المغيرةِ بنِ شُعبَةَ؛ أنَّهُ خطبَ امرأةً، فقال النَّبيُّ - صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّم -: "انظرْ إليها فإنَّهُ أحرى أنْ يُؤدمَ بينكُما".
من هنا لا ينظر الإسلام إلى الزواج كبعد جنسي أو عرقي؛ وإنما ينظر إلى الأبعاد الأخرى المترتبة من الزواج، وهذا ما فعله النبي – عليه السلام – عندما زوّج زيدا وهو من موالي قريش لزينب بنت جحش وهي من أشراف قريش، وقد بيّن العلة – عليه الصلاة والسلام – من هذا حيث قال: "إنما زوجت مولاي زيد بن حارثة زينب بنت جحش وزوجت المقداد ضباعة بنت الزبير لتعلموا أنّ أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاما"، لذا تحقق في صدر الإسلام الأول بناء الأسرة على أساس المحبة والسكينة التي أرادها الله تعالى حيث قال: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"، وقال: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، فنشأ جيل في أسرة مستقرة، فنمت عقولهم لبناء أمة قوية مطمئنة، وكم من أمة تعصبت لدمها وجنسها كانت أمة ضعيفة هزيلة، وكم من أمة نظرت إلى أبعاد أكثر واقعية ومنطقية، وراعت النفوس البشرية، فكان لها حظها من التقدم والاستقرار.