قطوف اجتماعية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٨٧الإنسان البشري بكينونته كما أنّه بحاجة إلى الشراب والطعام كغذاء جسديّ حسيّ؛ هو كذلك بحاجة إلى العلم كغذاء عقليّ معنويّ، وكلّما أدرك معارف جديدة؛ كلما ارتقى في فهم الحياة وكينونتها، واقترب أكثر من معرفته لله تعالى، فالله تعالى كما أنّه يُعبد بالعلم؛ كذلك أيضا يُدرك بالعلم.
من هنا نجد أنّ أول سورة نزلت من الوحي الخاتم سورة اقرأ، فلم يقل له مثلا: اعبد أو صلّ، أو صم، أو انفق، وإنما أمره بداية بالقراءة، فبالقراءة توحد الله توحيدا خالصا، وبها تتعرف على رسالات الله المتضمنة أحكام وشعائر الدين العظيم.
لذا مجد الله تعالى أمر العلم، ورفع رسالته حيث قال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكر ألوا الألباب"، فلا ميزان مساواة بين المتعلم وغيره، فالفرق بينهما فرقا شاسعا كالفرق بين المشرقين.
وبالعلم تتقدم الحياة سياسيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، بجانب رقيها في الجانب الديني والروحي، فمثلا في الجانب السياسي إذا كان أصحاب السلطة والنفوذ ممن لهم حظ من العلم؛ كانوا أكثر قدرة على السير بوظائفهم لرقي مجتمعاتهم وأمتهم، فبنو إسرائيل عندما طلبوا من نبيهم قبل الدخول إلى الأرض المقدسة، وفي أواخر فترة التيه أن يرسل الله تعالى إليهم ملكا، بين لهم نبيهم أنّ الله تعالى أرسل إليهم طالوت ملكا، والميزان الذي فُضّلَ به طالوت أولا ميزان العلم، وبعده الصحة في الجسم، قال تعالى: "وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم".
وإذا رقت الأمة في الجانب السياسي لا شك سترقى الجوانب الأخرى؛ لأنّ التقدم مرهون بالأمن والعدالة والمساواة، وهذا يتوفر إذا تيسر لأيّ أمة تقدم الجانب السياسي بصفة خاصة.
فالعلم هو الميزان الذي به رقي الأمم، وتقدم المجتمعات، ولا يمكن بحال أن تتقدم أمة منغمسة في ظلمات الجهل، لذا أمر الله تعالى به أولا، قبل التوحيد ذاته.