قطوف فكرية (الجزء الأول) بدر بن سالم بن حمدان العبري

قطوف فكرية لبدر العبري ج1

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

وبعد فترة أوجدت الثورة الفرنسية فراغا في الجانب الاجتماعي في أوروبا، إذ كانت هذه الثورة حربا لكل ما يتصل بالدين، ولو كانت تعاليم الكتاب المقدس نفسه، فالدين ما هو إلا أفيون يهدد الشعوب، ويعيق تقدمها وتطورها، وما كان لله فهو لله، وما كان لقيصر فهو لقيصر.

الفراغ الاجتماعي الذي ساد أوروبا بعد هذه الثورة كان لا بد أن يسدّ بفلسفات جديدة يصنعها الإنسان نفسه، دون التقيد بفلسفات إلهية أو كنسية أو سماوية.

لذا ظهرت فلسفات جديدة أثرت سلبا على المجتمع الأوروبي، وأوجد شرخا في العلاقات الاجتماعية، وكسرت رابط الأخلاق والقيم، وخرج الناس عن فطرتهم السوية إلى أسوأ من الحيوان، فأصبحت الغرائز الحيوانية هي أساس العلاقة بين الناس، مما أثر في جوانب أخرى من الحياة، السياسية والاقتصادية والصحية كما سنرى في الدروس اللاحقة.

لماذا هذه النظريات أخلت بالجانب الاجتماعي في أوروبا؟ لأنها مهما بلغت من التقعيد العلمي، واستخدام الأدوات المعاصرة من أدوات البحث العلمي، إلا أنها نظريات بشرية قاصرة، فالإنسان مهما بلغ في التقدم العقلي والمنطقي إلا أنه بحاجة إلى توجيهات إلهية ترشده إلى الطريق الصحيح، والمنهج السليم.

من هنا نجد التوجيه الإلهي في القرآن الكريم في سورة النور يعطينا خطوطا متينة في الجانب الاجتماعي، نحن بحاجة للوقوف مع هذه الخطوط لا لنهدمها ونأولها لنعمل أهوائنا؛ بل نحن بحاجة إليها لننزلها إلى أرض الواقع من جهة، ولنجعلها خطوطا نسير في دائرتها القويمة.

ومع هذا يجب علينا أن نستفيد من الفلسفات الأخرى، لا لنطبقها بحذافيرها؛ بل لنستفيد منها، ونصحح ما فيها أخطاء واعوجاج.

والآن بعد هذه المقدمة اللطيفة نعود إلى الآية الأولى من السورة؛ نجد الله – تعالى – ابتدأ الآية بـ"سورة"، ولا توجد سورة في القرآن تفتتح بالإشارة إلى السورة غير هذه.

١٣٦ / ١٥٠