قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٢٧إنه مقصد المساواة الذي ينبغي أن يرجع به الحاج؛ ليكون منهجا له في بلاده، وليكون نبراسا لوطنه وأمته، ليعيش مترفعا عن حبّ الذات وازدراء الآخرين، ويسعى في احترام وتوقير غيره، مهما تباينوا عنه في المنزلة والرفعة، والمكانة والسلطة.
أما المقصد الثاني الذي نستخلصه من هذه الآية فيتمثل في الطهر بكافة أنواعه، يقول - تعالى -: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
فالله - تعالى - أراد من هذه البقعة الطاهرة أن تكون مثلا للطهر والقداسة، لا يجوز أن تدنس بالمعاصي والسيآت، بكافة أنواعها القلبية من حسد وغل وبغض، والفعلية كالغيبة والنميمة والسرقة وما شابه ذلك، فالذي يرد فيه بفعل الشر يتوعده الله بالعذاب الأليم، فما بالك بالذي يرتكب فيه ما حرّم الله من ذنوب ومعاصي، فهذا - والعياذ بالله - داخل في وعيد الله - تعالى -.
والحاج إلى هذه الديار المقدّسة، وقد أحرم لأداء مناسك الحج والعمرة، حري به أن يطهر نفسه، وقد وفد إلى الله - تعالى - في هذه الفترة الزمنية، حري به أن يطهر جسده عن الوقوع في المعاصي والذنوب، فلا غيبة ولا نميمة، ولا رياء ولا سمعة، ولا كبر ولا أنانية، ولا إيذاء للآخرين في الطواف والسعي والجمرات، ولا تدنيس للمكان برمي المخلفات والأوساخ في منى وعرفة، وعلى احترام للقوانين والأنظمة ليؤدي جميع الحجاج حجهم في يسر وسهولة.
فبهذا يتعلم الحاج والزائر لهذه الديار هذا الأدب الرفيع، ويتخرج من هذه المدرسة العريقة ليكون منارا في الطهر والعفاف، فيرجع إلى بلاده طاهرا نقيا، داعيا إلى الخير والفضيلة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
وليخش أولئك الذين يدنسون هذه البقاع بما حرمه الله ونهى عنه، ويؤذون الناس في أداء مناسكهم بالمزاحمة والسباب، فليخش هؤلاء عذاب الله، فعذابه أليم.