قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٣٥ومع هذا وضع طالوت لهذه القلة من الكثرة اختبارا ليرى مدى صدقهم في مراقبتهم لله، وتعضيمهم له، قال لهم: "إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ"، وكانت نتيجة الاختبار سيئة إذ رسب فيه أكثر هذه القلة من الكثرة التي أبت القتال رأسا " فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ".
وهذا الامتحان كان لحكمة؛ لإدراكه أن أكبر سلاح يواجه به العدو هو تقوى الله وتعظيمه ومخافته، فإذا استووا في المعصية كانت الغلبة للعدو في القوة، فلا بد من نصر الله أولا " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ".
وقد يسأل سائل كيف ننصر الله لينصرنا؟ هذا أجاب عنه القرآن كذلك "وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ".
فلكي ينصرنا لا بد من تحقق هذه الأمور الأربعة، إقامة الصلاة بخشوع وتذلل وإخلاص، وإخراج حق الله مما أوجبه في المال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وهذه الأربعة الأمور التي تتضمن الفعل والترك يطلق عليها " منظومة التقوى "، وهذه المنظومة أكبر سلاح يواجه به العدو، وأكبر أداة للنصر، وبها يتحقق التأييد الرباني، والنصر الإلهي، فبها تحقق النصر على جالوت، عندما كاد أن يتقاعس القلة الناجحة من امتحان النهر لعلة قلة العدد مقابل جيش جالوت، فكان رد المؤمنين الأتقياء " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ".