قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٣٦وإذا جئنا إلى رمضان نجد رمضان أكبر مؤسسة وجامعة لتخريج الأتقياء، بل هو أعظم مصنع لإنتاج هذا السلاح إذا ما أحسن استغلال هذا الشهر، وعظم الله فيه، فالله يربط آيات الصيام بسور عظيم، افتتاحا وختاما، ففي الافتتاح يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وفي الختام يقول جلّ شأنه: " تلك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ".
من هنا ندرك أسباب انتصار السلف في رمضان، ولماذا اليوم لا ننتصر فيه، لأن رمضان لم يصبح يخرّج الأتقياء؛ بل أصبح يخرّج اللاهيين واللاعبين! فأنى لأمة أن تنتصر وهي منغمسة في اللهو واللعب، لا تعرف للجد والعز مكانا ولا قدرا!!!
رمضان والقرآن
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، في هذه الآية الكريمة يبين تعالى أن رمضان شهر إنزال القرآن، وإنزاله فيه كان لغاية نبيلة، وحكمة جليلة، الإنسان بحاجة لهذه الغاية والحكمة مهما علا شأنه، وبلغ الذروة في الفكر والثقافة.
والغاية من إنزال القرآن في هذا الشهر الهداية والبيان، فبهما تستقر حياة الإنسان، وتطمئن قلوبهم، وتعتدل سلوكياتهم.
فالإنسان بحاجة إلى مصدر الهداية؛ ليصل إلى الراحة والطمأنينة في الحياة الدنيا، وإلى السعادة الأبدية في الدار الآخرة، وهذا لا يحصل بالأماني والفلسفات المادية، ولا بالتصوف والرهبانية المفرطة، ولكن يحصل عليها من خلال التأمل والتدبر في كتاب الله تعالى، لذلك جعل الله كتابه واضحا بينا، سهل الإدراك والتدبر، يفقهه الصغير والكبير، العالم والجاهل.