قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٦١وفي الجانب التعبدي يقرر حرية العبادة؛ فلكل ملّه حريتها في ممارسة العبادة؛ بل أمر الإسلام بالحفاظ على أماكن العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وما أباح الله الحرب إلا لحفظ الدين والعباد وأماكن العبادة، وردّ الظلم والمفسدين إلى العدل وجادّة الحق، يقول – تعالى: ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لهدِّمتْ صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكَر فيها اسم الله كثيرا".
والقرآن يؤصل مبدأ الدعوة بالحسنى؛ فالله – تعالى – فرض الدعوة إلى دينه، ومع هذا أوجب على الدعاة استخدام الأسلوب الحسن، وأن تستخدم الوسائل التي تدخل في دائرة الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، يقول – تعالى -: "ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن".
والتسامح في القرآن مبني على إقرار التجانس البشري أيضا؛ فالإسلام يعترف بتعدد الشعوب والحضارات، واختلاف الأديان والملل والمذاهب والتوجهات، وتباين العادات والتقاليد، ولهذا أوجب مراعاتها، وحرّم الإساءة إليها، وإن كان ثمة نقد فباستخدام الأسلوب الحسن، مع الوسيلة الحسنى، وإن أدّى إلى وقوع حرب فتكون الدائرة على الظالم المعتدي، ولا تعمّ الأبرياء ولو كانوا مخالفين لفكر ودين الإسلام؛ بل يجب حمايتهم لمكانتهم الإنسانيّة، يقول – تعالى -: "لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقْسطوا إِليهم إنَّ اللهَ يحبُ المقسطين".
واعتبر القرآن العفو والصفح من المبادئ العليا، والقيم الرفيعة التي ينبغي أن يتمسك بها المؤمن الحق، ولو مع من أساء إليه، أو مع من خالفه فكرا وسلوكا، يقول – تعالى -: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ".