قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٧٤فالله – تعالى – يبتدئ الأمر باستخدام فعل "وليضربنّ"، واتصل به لام الأمر، واستخدم عبارة الضرب، فالله لم يقل مثلا: وليسترنّ، أو وليسدلنّ، وإنّما استخدم الضرب لأنّ فيه مبالغة في الستر، وفيه إشارة لطيفة للعادة الموجودة في الجاهلية حيث كانت المرأة تستر شعر رأسها، وتربط خمارها من الخلف فيبقى جزء من صدرها مكشوفا، فتحدث بذلك فتنة وإغراء للرجال، فأمرها الله – تعالى – أن يكون الضرب على الصدر لا على الظهر؛ لأنّ الظهر مستور، ولكي يكون خمارها ساترا لرأسها وصدرها، فيكتمل بذلك كمال الستر الذي أراده الله – تعالى – للمرأة.
ولكي يبين فرضيّة الأمر أتى بفعل الأمر، وجمهور الأصوليين يقولون أن صيغة "ليفعل" من صيغ الأمر الدالة على الوجوب، فالضرب في الآية واجب، ومؤكد بلام الأمر.
ثمّ يؤكد الله – تعالى – بوجوب ستر الرأس بذكر الخمار وهو غطاء الرأس كما هو معلوم ومعهود عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله – تعالى – ""وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ" شققن مروطهنّ – والمرط هو كساء من صوف أو خزّ كان يؤتزر به – فاختمرن بها، والخُمُرُ في اللغة من تخمير الرأس أيّ تغطيته، وأريد به هنا تغطية الرأس والصدر.
ونلاحظ أنّ الله استخدم حرف الجر الباء، وفيه معنيان:
1. الإلصاق؛ أيّ تلصق المرأة خمارها المتدلي من رأسها على صدرها فتكون ساترة لرأسها وصدرها.
2. التبعيض؛ وذلك نحو قوله – تعالى -: "وامسحوا برؤوسكم" أيّ ببعض رؤوسكم كما هو قول العديد من أهل التفسير، فالدلالة في التبعيض هنا واضحة، أيّ لتجعل المرأة بعض خمارها لستر صدرها.