قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٧٥ثمّ يبين القرآن في الآية أنّ الضرب يعمّ الجيب، والجيب في لغة العرب هو الصدر أو النحر وما حواليهما، وذلك – كما رأينا آنفا – أنّ النساء في الجاهلية كنّ يضربن خمرهنّ في ظهورهنّ فيبقى الجيب مكشوفا، فأمرنّ أن يضربنه في جيوبهن لكمال الستر.
ونلاحظ أيضا أن الله – تعالى – أتى بحرف الجر على، وحرف الجر من معانيه الاستعلاء، وفيه إشارة لطيفة وهو علو الخمار أيّ أن القرآن يصف حال الخمر وهو في مكان مرتفع – أي الرأس – فلتنزل على الصدر فيكون ارتفاعه عاما للرأس والصدر، ولو أريد به ستر الجيب فقط لقيل: وليضربن بخمرهن في جيوبهن، أو وليسترن جيوبهن بخمرهن، فالآية تتضمن وجوب ستر الرأس والصدر.
سنة الزمن وتقدم الأمم
يعيش الإنسان في هذه الحياة مقيّدا بمرحلة زمنية محددة، وذلك وفق سنة الأجيال، فلكل جيل وقت زمني، حددته المشيئة الإلهية المطلقة، وذلك تطبيقا لسنة البناء والبقاء النسبي، وما يتبعه من عمارة لهذا الكون، وبناء له.
وسنة البناء والعمارة لا يمكن أن يعطي جدواه إلا باستغلال الفترة الزمنية التي يتحصل عليها كلُّ جيل، بما تتوارثه من آثار وثقافات وأمجاد الأجيال الماضية، فالمكتشفات المعاصرة مثلا لم يتحصل عليها أجيال القرنين الماضيين صدفة؛ وإنما كانت تواصلا لما توصلت إليه الأجيال التي سلفتهم، فكانوا خلفا أدركوا قيمة الزمن، فاستثمره لصالحهم، فقطفوا ثمرة جهدهم واستغلالهم له.
وهذا الجيل المعاصر إن لم يدرك قيمة الزمن الذي يعيش فيه، لا شك سيأكله الزمن، وسيخرج من هذه الحياة بلا أمجاد ولا بناء، وسيكتب عنه التأريخ سيرا من الكسل والتخلف والرجعية، قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.