قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٧٦من هناء لبقاء سنة التطور والبناء، والتعمير وصنع الأمجاد لا بدّ من غرس قيمة الزمن والوقت في نفوس الأبناء والأجيال، فسنة الزمن لا تعرف قوما دون قوم، ولا تفرق بين جيل وجيل، فهي سنة وجدت مع بقاء الكون، فمن وقف معها وقفة جد وعمل، واستثمرها استثمار إخلاص ونشاط، كان لهذا الجيل الحظ الوافر من الإبداع والتقدم والتطور، ولبلدانهم وأوطانهم من الرقي والقوة والمدينة الصادقة.
والقرآن الكريم يقرر هذه السنة الكونية في سورة العصر حيث يقول تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
فكل جيل يتصور فترة بقائه في هذه الحياة بفترة العصر، وهو جزء مبارك من أجزاء اليوم الواحد، حيث سرعان ما ينقضي، فمن استثمر عصره من يومه فاز، ومن ضيعه خاب وخسر، واستغلاك له بحاجة إلى إيمان بقيمته، وعمل صالح مثمر فيه، بجانب الصبر والعمل الجماعي المتقن والمنظم والمتحد.
فزمن الأجيال إنما هو كفترة العصر في شدة انقضائه وذهابه، لذا عدم إدراك الأجيال لقيمة الوقت، وسوء تنظيمهم له، وإشغال الزمن باللهو واللعب كعنصر أساسي، والعمل والإبداع كعنصر ثانوي، لما غرس في نفوس الأبناء من استهتار بالوقت، وغفلة عن محدودية الزمن، بجانب الكسل والخمول، كلُّ هذا شر وداء يهدد تقدم المجتمع، ويرجعه إلى دائرة التخلف والرجعية، وإن تظاهر بالتقدم والتطور؛ فهو تقدم وتطور شكلي في شكل اللباس وقصاصات الشعر، وهندسة البيت وفخامة الأثاث، شأنه كالسراب، يحسبه تقدما وفي داخله التخلف والرجعية.
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.