قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٨٠والتفقه في الدين رباني المصدر، والذي يعلم ما يصلح البشر وما يضرهم، والذي ينظّم حياتهم وسلوكهم، والبعد عنه يعني إحلال تصورات بشرية قاصرة محلّ الأسس الربانية، وهذا يعني انحراف البشرية، وسيرها في تيار يقودها إلى المزالق الصعاب، وما يحدث اليوم من انحراف في القيم والسلوك، وغش واستغلال في المعاملات، وقتل وإرهاب وعدم عدالة ومساواة بين البشر؛ إلا نتيجة من نتائج عدم الفقه في الدين، وهذا ما بيّنه النبي العظيم حيث قال: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ.
فإذا أردنا السعادة والاستقامة، والعدالة والمساواة فعلينا بالفقه في دين الله تعالى.
ثانيا: الفقه في الدين لا يقتصر على الرجال فحسب؛ بل المرأة أيضا مطالبة بالتفقه فيه، والجيل الأول، والذي كان نموذجا عمليا لمن أراد التفقه في دين الله تعالى، كان من رموزه نساء مؤمنات، فهذه عائشة بنت أبي بكر –رضي الله عنها- مع صغر سنها، إلا أنّها تفوّقت على أقرانها الرجال في إدراك فقه الإسلام، فكانت مدرسة بذاتها، خرّجت أجيالا ليس من التابعين فحسب؛ بل حتى من الصحابة أنفسهم.