قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٩٩وفي المقابل أصحاب الكهف أماتهم الله تعالى ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، وعندما سئلوا: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فالنتيجة واحدة، فالمائة في ميزان الزمن تساوي ثلاثمائة وهكذا، فلا يغتر الإنسان بطول العمر، فهو يمضي بسرعة خاطفة، وكأنه يوم أو أقل منه بكثير.
والعبرة بما أنتجه الإنسان في الزمن القصير، فقد يُقَدَمُ شاب عمره عشرين سنة على كهل عمره سبعين، وذلك لأنّ الأول أدرك قيمة الزمن فاستثمره، والثاني مرّ عليه وهو غافل عن سبل إدراكه، فحق للأول التقديم والتكريم ولو كان أصغر سنا.
والحياة الزمنية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة الدنيا -كما أسلفنا – قصيرة جدا، لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والمرء ذاته يجد لذة في هذا الوقت، والذي أشغله عمله صباحا، ويسكن مع نفسه ليلا، فلا يجد وقتا يتلذذ به مع بيئته وأبناء مجتمعه غير هذا الوقت، لذا ما إن تغرب الشمس إلا ويرى أنّ هذا الوقت مرّ بسرعة خاطفة، والناس فيه قسمان: قسم استثمره في طاعة الله تعالى، فيشعر بحلاوة الغروب، وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه، وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان، لذا قال تعالى بعد قسمه بالعصر: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.