كلمة الشيخ الخليلي بمناسبة استقبال العام الخامس والعشرين من القرن الخامس عشر الهجري أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

كلمة الشيخ بمناسبة استقبال العام الخامس والعشرين من القرن الخامس عشر لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم

الجزء ١ · صفحة ٤

وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ سورة الحشر، الآية: 9 ] .. نعم، المهاجرون لم يَلتفِتوا إلى شيء مِنْ مَتَاع هذه الحياة الدنيا، فقد تَسَاوَى فِي مِيزَانِهِم تِبْرُها وترابُها وَتَعَادل عِنْدَهم عَذبُها وعَذَابُها مِن أجل الوُصُول إلى الغَاية التي كانوا ينشدونَها وهِي إظْهار هَذَا الدين الحنِيف في الأرض، والأنصار أيضاً كانوا لا يَلْتفتون إلى مَتَاع هَذِه الحياة الدنيا لأنَّهم وَهَبُوا مُهَجَهم لله - سبحانه وتعالى - فلذلك كانوا يُحِبُّون مَن هاجر إِليهم مع أنّ دار الهجرة كانت دارا مَحْدُودة مِن حيث المسَاحَة ومِن حيث الموَارِد ومِن شَأْن أهْل الدار أن يَضِيقوا ذَرْعا بِالمهاجرين ولكنّ الأنصار الذين صُنعوا على عيْن الله - سبحانه وتعالى - فَجُرِّدُوا مِن كل الصِّفات التي يَتّصِف بِهَا البشر مِن شُحٍّ وحب الأثرة والاستبداد كانوا بِخِلاف ذَلك تمَاماً فكانوا يُحبون مَن هاجر إليهم وكانوا يُؤْثرونَهم على أنفسهم ولو كان بِهم خصاصة حتى أنَّهم كانوا يقدمونَهم على أهلِيهم وعلى أولادهم ويُشْرِكونَهم في أمْوَالِهم، وبِهذا ضَرب هؤلاء وهؤلاء أرْوع الأمثال في التضحية والفِداء وفي صدق مُناصرة الله-تبارك وتعالى-ومُناصَرَة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ومِن أجل هذا كانت تلك الانطلاقة السَّريعة التي لَبِثَت عقداً مِن السنين بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فملأت جَزِيرَة العَرَب بدعوة الإسلام، وانتشر هذا النور في أصقاعها، وتحول الناس مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومِمّا كانوا فيه مِن ضيْق الدنيا إلى ما انتقلوا إليه مِن سعَة الدنيا والآخرة، وأخذت

٤ / ٨