كلمة الشيخ الخليلي بمناسبة استقبال العام الخامس والعشرين من القرن الخامس عشر الهجري أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

كلمة الشيخ بمناسبة استقبال العام الخامس والعشرين من القرن الخامس عشر لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم

الجزء ١ · صفحة ٣

، لأنَّها كانتْ سببًا لِميلاد هذه الأمّة ولِنَهْضَتِها بَعْدَ كَبْوتِها ولِظُهُورِها بَعْد خَفَائِها ولِعِزَّتِها بعد ذِلَّتِها، فإنّ الله-تبارك وتعالى-شَاءَ أن يُهيِّئَ لِنَبِيّه عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أنصارًا يَحمِلون هَذِه الدعوةَ بِصدقٍ وأمانة وجَدارَة ويُجَاهِدون مِن أجْلِها ويَنْطَلِقُون بِها إلى أرجاءِ الأرض، وشَاء الله - سبحانه وتعالى - أن تَنْصَهِرَ هذه الأمّة في بوتَقَةٍٍ وَاحِدةٍ بِهذا الحدَثِ العَظِيم الذي مرّ بِها، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - جَمَعَ في ظِلال هَذِه الهجْرة بيْن جانبَي المهاجرين والأنصار، فكوَّنوا مجموعةً واحدَة تَنْبُض بِقلبٍ واحد وتُفَكِّر بِعَقْلٍ واحد وتَتَّجِه وِجهةً واحدة، لأنّ الإسلامَ الحنيف ذَوَّبَ جَميعَ الفَوَارِقِ بيْنها، وكانتْ هذه الهجرةُ امتِحانا لِلطائِفَتَيْن جميعا، إذ كانتْ سَبَبا لِلتَّضْحِيَات العَظِيمَة التِي قَدَّمَها المُهَاجِرون والأنصار والذين اتّبَعُوهم بِإحسان، فالمُهاجِرون خَلَّوْا وَرَاء ظُهُورهم دِيَارَهُم وأمْوَالَهم وخَرَجوا مِن بيْن أهْلِيهم وأَوْلاَدِهم لاَ يَتَّجِهُون إلا إلى الله - سبحانه وتعالى - ولاَ يُبَالُون بِما يُخَلِّفُونَه وَرَاءَهُم مِن أجْل إرْضَاء الله - عز وجل - ، والأنْصَار أيْضًا استقبَلُوا المهاجِرِين فأنزَلُوهم في قُلُوبِهم قبل أن يُنزلُوهم في دِيارِهم، وضَرَبُوا أَرْوَع الأمثال في التَّضْحِية، وقد جَسّد القرآن الكريم تضحِية الطائِفَتَيْنِ جَمِيعًا عِندَمَا قَال الله - سبحانه وتعالى - : ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [ سورة الحشر، الآية: 8 ]، ثُم عطف العِنَان إلى الأنصار فقال: { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ

٣ / ٨