كيف تتحقق المقاطعة؟ لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥و قد علم الجميع بأن الفرس كانوا مسخرين لمصلحة أولئك الأباطرة، و كانوا لا يملكون من أمرهم شيئا و لئن كان "كسرى أنوشروان" هو الذي عرف بالملك العادل بسبب أنه كان نوعا ما ألطف و أبر من بقية الأباطرة بشعبه، فإن كان الأمر وصل بكسرى هذا أن اجتمع برجال دولته - كما يحكي ذلك ابن جرير الطبري في تاريخه - و عرض لهم أن يقوموا بمسح جميع الإمبراطورية من جميع أطرافها من أجل تسجيل كل ما يكون من مزارع، و كل ما يكون من غرس، وكل ما يكون من أنهار تسقي أو عيون تسقي، و كل مصدر من مصادر رزق الناس، لتفرض إتاوات على ذلك كله يكون عائدها لخزينة الدولة بحيث تكون متهيئة ما لو هجم هاجم عليها من عدوها أن يكون عندها من المال ما يمكنها من رد هجمته. و بعد ما عرض ذلك، طلب من الحضور أن يشيروا عليه، فأمسك الكل عن القول، ثم ثنى هذا الطلب فأمسك الكل عن القول، ثم ثلثه؛ فتكلم أحدهم و بعد أداء ما هو معهود من التعظيم و الإجلال و التواضع للحاكم قال له: "أيها الملك: أتفرض هذه الإتاوة في نهر يغور، و عين تنضب، و زرع يذبل، و نخل يموت، و غرس يعرض للكثير من الآفات و العاهات، و تبقى هذه الإتاوة مع هذا كله مستمرة!" فرد عليه:"يا ذا الكلفة المشؤوم: من أي طبقات الناس أنت ؟" فقال له:"من الكتّاب." فقال: "أكنت أجرأ الناس علي؟!" فأمر الكتاب أن يضربوه بالدوى حتى يموت، فكان ذلك جزاءه.