محاضرة الشيخ لطالبات معهد العلوم الشرعية
الجزء ١ · صفحة ١١بقدر ما يكون الإنسان متواضعاً ومتقياً لربه - سبحانه وتعالى - ومطيعاً له يعطيه الله-تبارك وتعالى-العلم النافع، ليس العلم النافع كثرة الرواية وإنما العلم النافع هذا السر الإلهي الذي يكون في النفوس فيزكيها ويحبب طباعها وأن يكون الإنسان مستبصراً بنور الله، ولا ريب أن الناس عندما استبصروا بنور الله تحولت حياتهم من حياة كانت ذات طبيعة معينة إلى نقيضها وهذا واضح في ما يحكيه الله-تبارك وتعالى-في كتابه عن الأمم ومن ذلك ما حكاه عن سحرة فرعون، سحرة فرعون كانت نظرتهم نظرة مادية، كانوا يريدون متاع هذه الحياة الدنيا كانوا يريدون أن يتبوؤا منصب القرب من ذلكم الطاغية، من فرعون فهم عندما جاءوا إليه أول ما سألوا عن المادة، قالوا له: ﴿ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴾ وقد أكدوا أنهم بجانب رغبتهم في المادة، يرغبون أيضاً في التقرب إليه فلذلك قال لهم: ﴿ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ أي لكم كلا الأمرين، لكم المادة التي تطلبونها وبجانب ذلك أيضاً لكم الحظوة والقربى فأنتم تتقربون إليّ ﴿ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ ولكن بعدما استبصروا بنور الله ولامس إيمانهم شغاف قلوبهم تحولوا من تلكم النظرة إلى نظرة معاكسة عرفوا قيمة هذه الحياة، وعرفوا قيمة الآخرة وهكذا العارف بربه - سبحانه وتعالى - يعرف قيمة هذه الحياة ويعرف قيمة الدار الآخرة، فلذلك يعطي هذه الحياة بقدر قيمتها ويعطي الدار الآخرة أيضاً قدر قيمتها.
قيمة هذه الحياة بقدر ما يعيش الإنسان فيها وبقدر ما ينتفع به منها .. فما هذا الانتفاع الذي ينتفعه الإنسان في هذه الدنيا بجانب منافع الآخرة ؟ ما قيمة هذه العيشة القصيرة التي لا يدري الإنسان متى ينتهي ؟ لا يدري متى يفجعه ريب المنون ؟ فينتزعه من هذه الحياة نفسها ؟ ذلك أمر مجهول.