محاضرة الشيخ أحمد الخليلي لطالبات معهد العلوم الشرعية أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

محاضرة الشيخ لطالبات معهد العلوم الشرعية

الجزء ١ · صفحة ٤

فالله تعالى ما خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة اعلم ولا بكلمة افهم أو أدرك أو تبيّن أو نحو هذه الكلمات، وإنما خاطبه بكلمة: ﴿ اقْرَأْ ﴾ ، القراءة التي هي قراءة للمكتوب، قراءة لما سُطر في الكائن قراءة لما يُنقل من مكان إلى مكان من المعلومات التي تتوارثها الأجيال عبر ما تلقاه مدوناً في الكراريس أو مما ينتقل من أمة إلى أمة على اختلاف أقطارها بسبب انتقال هذه المدونات وهو أمر يحتاج إلى بذل أموال وإلى جهد، وقد أيّد الله-تعالى-ذلك عندما ذكر أهم وسيلة من وسائل هذا العلم وضبطه وهي وسيلة القلم، فقد قال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ وبذكره تبارك وتعالى هنا خلق الإنسان من علق إيماء على الإنسان خُلق خلقاً عجيباً، خُلقَ متطوراً من طور إلى طور، من طور كان فيه حقيراً لا يساوي شيئاً إلى طور آخر صار فيه شريفاً كريماً لما أفاض الله عليه من الخير ووهبه من العلم، وبوأه من مناصب التكريم وأتاه من الحواس: أتاه السمع والبصر والعقل وصار مدبراً، وصار مستخلفاً في هذه الأرض، فجديرٌ بهذا الإنسان أن يعتني بما هو محمل إياه ؛ لأنه لم يُخلق ليعيش كما يعيش غيره من الكائنات الأخرى التي ينشرها الميلاد، ويطويها الموت، وإنما خلق ليتحمل أمانة كبرى، فوجود الإنسان لا ينحصر في هذه الحياة القصيرة المحصورة بين الميلاد والوفاة وإنما وجود الإسلام يمتد عبر الأجيال المتسلسلة المتعاقبة بما يقدمه من علم، ثم إن هذا الوجود يعقبه وجود آخر يحاسب فيه الإنسان على ما قدم و أخر يختلف ذلك الوجود عن هذا الوجود بكون هذا الوجود وجود عمل و ذلك وجود جزاء، ولكون هذا الوجود وجوداً محدوداً، وذلك وجوداً مطلقاً وهكذا، فإذاً على هذا الإنسان أن يعلم ليعمل، وأن يتبين حقيقة هذه الحياة، وأن

٤ / ٣٠