معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

… روى الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب عن أبي الغريف:( كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفاً بمسكن مستميتين تقطر أسيافنا على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمر طه، فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى، فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لا أبا عامر، فإني لم أذل المؤمنين، ولكنى كرهت أن أقتلهم في طلب الملك)(1) ، ويظهر ذلك أيضاً في خطبة الحسن في الكوفة حين قدم إليها معاوية حين سلم الأمر إليه، فخطب في حشد من الناس، ومثل هذا الموقف يكون الحسن في أمس الحاجة إلى نص يبرر تنازله لمعاوية، ولكن كل ذلك لم يكن، لأن النص يومئذ لم يولد بعد، فكان مما قاله الحسن فيما يرويه ابن عبد البر في الاستيعاب:(أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول)(2) .

… ومع كل هذا الحقائق ، يبدو العقل المسلم مستسلماً أمام إيحاءات هذه المرويات التي تختزل قضايا مصيرية تمس الأمة بمجموعها، ويعجز عن فهمها على ضوء حقائق التاريخ الثابتة من مطابقتها للواقع وقبول العقل لها.

… خامساً: ما هذه البشارة بخلافة معاوية؟!، أهي البشارة بغياب قيم الحرية والعدالة والشورى؟!، أم ببداية عهود مظلمة من القمع والكبت والإرهاب الدموي؟!، أم باستبدال قيم الأرستقراطية الجاهلية بنظم الإسلام في الاقتصاد والسياسة؟!، إن هذه الحقائق بمجموعها ثابتة بالتواتر والشهرة التي لا تدفع.

بعد هذا نأتي لنلغي كل الحقائق برواية خميرتها الأولي تولدت من رأي للحسن - وهو رأي بشري - في كون ذلك حقناً للدماء، إلى أن صارت منهجاً يدافع عنه أتباعه ، ثم انتقلت في طورها النهائي لتصبح حديثاً نبوياً.

…

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/438)، ابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية بيروت.

(2) المرجع السابق (1/439).

١٠٦ / ١٠٦