مفهوم الشورى في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ١٢

وقد قال علماء الإسلام: إنّ الشورى مبدأ جاء به الإسلام الحنيف استجابة لفطرة البشر، ولكنه مع ذلك لم يَصُبَّ هذه الشورى في قالَب حديدي، بحيث لا تتطور بتطور الزمن، فالإسلام طالب المسلمين بتطبيق مبدإ الشورى، ولكن مع ذلك كله فإنه لم يعيّن طريقة الاستشارة، فكيفية الاستشارة موكولة إلى الناس أنفسهم، ينظرون فيها أجدى الطرق حتى يتوصلوا إليها، ويحققوا هذا المبدأ، من غير أن يكون في ذلك شيء من الاصطدام بحال الناس المعاصر؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كان المؤمنون قِلة وكانوا منحصرين في المدينة المنورة-في وقتٍ كانت الهجرة فيه واجبةً على المسلمين-كان - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه .. يستشير أصحابه أحيانا في المسجد، وعندما يكون الأمر أمرا يحتاج إلى التكتم كان يستشير الخاصة ولا يستشير العامّة، ثم بعد ذلك كان فتح مكة الذي انتَسَخت به الهجرة، وتفرَّق المسلمون في الأمصار من خلال قيام جماعة من كبار الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-بالوِفادة على الناس لأجل تعليمهم أمر دينهم في الأمصار ودخول كثير من الناس في الإسلام من أصحاب الأمصار المختلفة، ولكنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت لم يبيّن للناس منهجا معيّنا يسيرون عليه في الاستشارة، ولمَ كان ذلك ؟! لأنّ تلكم الفترة التي عاشها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح كانت فترة قصيرة وهو - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنّ الفتوحات سوف تتوالى بهذه الأمّة وسوف يدخل الناس على اختلاف أجناسهم في دين الله أفواجا فلو أنه - صلى الله عليه وسلم - طبق في ذلك الوقت طريقة معيّنة وأَلزَمَ الناس بها لظلت تلك الطريقة سنّة متبعة إلى أن تقوم الساعة لا يمكن للناس أن يحيدوا عنها، لأنها من تطبيق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومما أَلزم الناسَ به، و-كما قلتُ-كان - صلى الله عليه وسلم - يدرك أنّ الشعوب سوف تدخل في دين الله أفواجا وسوف تصحَب هذه

١٢ / ٢٠