أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٦والأمر الثاني: أنّ الديمقراطية الغربيّة ترى مع الاختلاف إتباع رأي الأغلبية، أما الإسلام فلا يتقيّد برأي الأغلبية، فلو وقع اختلاف بين المستشارين يُنظر في ذلك ما كان أقرب إلى قواعد الإسلام وأسس الإسلام، فيُطبّق من رأيهم ما كان أقرب إلى قواعد الإسلام وأسُسه وإلى مقاصده، تراعى قواعد الإسلام، وتراعى مقاصده، وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى: ﴿ … فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [ سورة النساء، من الآية: 59 ]، فالرجوع إلى الله-تبارك وتعالى-إنما هو رجوع إلى كتابه، والرجوع إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الرجوع إلى سنّته عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد يسأل سائل: لماذا يكون الرجوع إلى الكتاب وإلى السنّة مع أنّ الشورى إنما تكون فيما لم يُنصّ عليه في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما نُص عليه في أحدهما ليس فيه مجال للشورى ؟
والجواب عن ذلك: أنّ الأحكام في الكتاب العزيز وفي السنّة النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-إمّا أن تكون أحكاما خاصة بحيث ينص على حكم شيء بعينه، وإما أن تكون قواعدَ إجمالية، هذه القواعد الإجمالية تجمع الجزئيات وترجع إليها، من هذه القواعد مراعاة جلب المصالح ودرء المضار، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام )، ومما يُستنبط-أيضا-من كتاب الله ومن سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ المصلحة كلما كانت أعم كانت رعايتها أولى، فالخير إذا كان أعم كانت رعايته أولى، وبهذا يمكن الرجوع إلى قواعد التشريع أو إلى مقاصد التشريع لاستلهام الرأي الذي هو صواب من بين آراء المختلفين.