أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٨على أنّ مبدأ الأكثرية قد يكون في وقتنا هذا مبدأ غير دقيق، فقد يكون حزب في مجلس له مائة وعشرون عضوا، وحزب آخر له ثمانون عضوا، هؤلاء المائة والعشرون ليسوا جميعا على رأي واحد، وإنما يرى منهم سبعون رأيا، ويرى خمسون رأيا آخر، ولكن أولئك الخمسين يتابعون السبعين لأجل أكثريتهم، فلا يعترضون على ذلكم الرأي في المجلس، ويأتي الثمانون الذين هم حسب الظاهر أقل عددا فيعترضون على المائة والعشرين، ولكن يُرجّح رأي المائة والعشرين الذين جزءٌ كبير منهم، أكثر من ثلثهم لا يرون ذلك الرأي، فلو أضفنا الخمسين إلى الثمانين لكانوا مائة وثلاثين، وبقي في مقابلهم سبعون فقط، ولكن المعادلة لا تكون دقيقة؛ ومن هنا كان الرجوع إلى القواعد الشرعية المستَلهمة من كتاب الله-تعالى-وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا لم يتبين صواب أحد الرأيين، أو أحد الآراء من خلال الرجوع إلى القواعد، إذ لم يكن أحدها أسعد بالقواعد الشرعية أو المقاصد الشرعية من الآخر، هنا يتعين على الحاكم أن يجتهد رأيه وأن يستعين في ذلك بمن يرى أنّ في رأيه شيئا من الحصافة ومن الوَجاهة؛ وهذا الذي صنعه أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - ، فإنه عندما جاء إلى الشام وكانت الشام موبوءة، تحيّر في الأمر، فأراد أن يأخذ رأي المهاجرين أوّلا، فدعا بالمهاجرين واستشارهم، فاختلفوا، منهم من قال: " إنه خرج لأمر ولا ينبغي له أن ينثنِي عنه فليُقدِم "؛ ومنهم من قال: " إنّ بقيةً من المؤمنين عنده فلا يَدفَع بها إلى التهلكة "، فطلب الأنصار-أي من كان معه من الأنصار-فاختلف الأنصار كما اختلف المهاجرون، هناك دعا-رضي الله تعالى عنه-بمن هاجر بعد الفتح، بمن كان حاضرا من مُسلِمة الفتح الذين هاجروا بعد الفتح، فاتفق رأيهم على عدم الإقدام، فرجّح عمر-رضي الله تعالى عنه-رأيهم، وقال أبو عبيدة كلمته الشهيرة: " أَفِرارا من قَدَر الله يا أمير المؤمنين ؟! "، فقال عمر - رضي الله عنه -