أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٩: " لو غيْرك قالها يا أبا عبيدة !، نفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت أن لو نزلتَ عُدوة خِصبة وعدوة جدبة أما كان رعيك في العدوة الخصبة أو في العدوة الجدبة بقدر الله تعالى ؟! "، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وأخبر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الوباء: ( إن سمعتم به في أرض فلا تدخلوها )-أو كما قال-( وإن كنتم في أرض ونزل بها فلا تخرجوا منها فرارا )، فحمد الله عمر- رضي الله عنه - على أن وافق الرأيُ الذي طبقه ما جاء به الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فمن هنا يتبيّن أنّ اختلاف الرأي بين المستشارين في الإسلام يفضي بطبيعة الحال بالحاكم الشرعي إلى أن يرجع أوّلا إلى كتاب الله وإلى سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستلهمَ من القواعد الموجودة في القرآن الكريم أو في الحديث الشريف ما هو الصواب من هذه الآراء المختلف فيها، ثم بعد ذلك إن لم يجد في هذه القواعد الشرعية المنصوص عليها في الكتاب أو في مقاصد الشرع المفهومة ما يدل على ترجيح أحد الرأيين أو أحد الآراء، هنا يتعيّن أن يستعين ببعض أولي الحصافة الذين يمكن أن يُحكَّموا بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء ليعدِّلوا أو ليرجحوا أحد الرأيين؛ بهذا كله يتبيّن أنّ الإسلام دقيق في نظام الشورى دِقّة لم يصل إليها أيّ مبدأ آخر، ولا أيّ دين آخر، فهو نظام يقوم على رعاية المصالح وعلى درء المضار، ولئن كان رأي الأكثرية رأيا يؤدي إلى الضرر فإنه لا يُعوَّل عليه؛ ولربما اقترح بعض الناس الذين ليست لهم خبرة بالسياسة الحربية الإقدام، وكان أهل الحصافة في الرأي والخبرة في هذا المجال يرون خلاف ذلك، والذين يرون الإقدام هم كثرة، هنا يتعين على الحاكم أن يتحرى جهده وأن ينظر ما هو الصواب، فيُرجِّح ما هو الصواب، ولو كان ذلك بالاستعانة ببعض الناس، وإذا تبيّن له أنّ هؤلاء الذين يُرجِّحون الإحجام على الإقدام هم أحصف رأيا وأكثر خبرة