أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢وإنّ من سنّة الله-تعالى-في خلقه أن جعل الكائن البشري كائنا اجتماعيا، فكل فرد من أفراد هذا الكائن هو بحاجة إلى بني جنسه، وذلك ليَتِم نظام التعاون الاجتماعي بين هذا الجنس البشري، فنجد الناس على اختلاف طبقاتهم، وعلى اختلاف هبات الله-تعالى-لهم كلُّ أحد منهم يحتاج إلى الآخر؛ فالحاكم نفسه هو بحاجة إلى الوزير، وإلى المستشار، وإلى الولاة، وإلى القضاة، وإلى الشرطة، وإلى الجند، وهو بحاجة إلى جميع الناس على اختلاف مواهب الله-تعالى-لهم؛ وهكذا سنّة الله-تعالى-في خلقه، ليتم التواؤم والاجتماع بين بني الجنس البشري.
والشورى بين الناس مما يُجسد هذه الوحدة الاجتماعية بين هذا الجنس، فإنّ كل أحد بحاجة إلى فكر غيره، وهذا الفكر لا يتجلى إلا من خلال التشاور؛ وقد قيل: إنّ عقول البشر كالمصابيح، فالمصباح الواحد يضيء حيّزا صغيرا من المكان، ولكن إذا اجتمعت المصابيح وسُلطت أضواؤها على منطقة معيّنة فإنّ الظلمة من تلك المنطقة تتبدد، وهكذا عقول الناس إذا اجتمعت تحقق باجتماعها ما لم يتحقق باستقلال كل واحد منها عن الآخر؛ ونجد حكماء الشعراء يوصون في شعرهم بالتشاور، فهذا بشّار بن بُرد يقول:
إذا بلغ الأمر المشورة فاستعن … برأي لبيب أو مشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فإنّ الخوافي قوة للقوادم
فاللبيب لا يجعل الشورى غضاضة عليه، إذ هي لا تدل على نقصان عقل المستشير، وإنما تدل على رجحان عقل، ولأجل ذلك قيل: الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء، فـ " الرجل الكامل " هو صاحب الفكر النيِّر وبجانب ذلك يستشير غيره، و " نصف الرجل " هو الذي له فكر وقّاد ولكنه لا يستشير غيره، أو ليس له فكر وقاد إلا أنه يستشير غيره، و " لا شيء " هو من لا فكر له ولا مشورة بحيث لا يعوِّل على استشارة الآخرين.