أ 60 من ضروب الانتحار
الجزء ١ · صفحة ٧عار وقع به، أو يتخلص منها بسبب هم تحمله وناء بثقله فلم يستطع عليه صبرا.
ولكن إلى أي شيء يتخلص؟
فإن كان هذا الفقر الذي أحدق به هو الذي يدفعه إلى أن يهلك نفسه، يدفعه إلى
أن يتناول السم أو أن يقتل نفسه بحديدة أو أن يلقي بنفسه في الغرق أو أن يفعل
أي شيء يهلك به نفسه فإنه ينتقل بذلك من فقر جزئي إلى فقر كلي، وينتقل بذلك
من فقر محدود المدة إلى فقر أبدي لا حدود له.
وكذلك الذي يريد أن يتخلص من أي عذاب كان كهم ينوء به صدره ولا يستطيع عليه
صبرا فإنه ينتقل بذلك من عذاب محدود جدا إلى عذاب لا حدود له، من عذاب موقوت
إلى عذاب دائم، من عذاب لا يمكن أن يقاس بالعذاب الذي ينتقل إليه. فإن الدنيا
مهما وجد فيها الإنسان من شدائد ومهما لاقى فيها من مكاره فإن شدائدها
ومكارهها محدودة، فهي نسبية جدا، بينما شدائد الآخرة شدائد لا حدود لها.
جاء في بعض الروايات عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: يؤتى بأكثر الناس نعيما في هذه
الحياة الدنيا فيغمس يوم القيامة غمسة في عذاب الآخرة ثم يقال له: هل ذقت
نعيما قط؟ فيقول:" لا" ويؤتى بأشد الناس محنة وبلاء في الحياة الدنيا فيغمس
غمسة في نعيم الآخرة ثم يقال له: هل ذقت شدة قط. فيقول" لا".
إن الإنسان عندما ينقلب إلى نعيم الآخرة ينسى كل شدة مرت به في الحياة
الدنيا. وعندما ينقلب إلى عذاب الآخرة- والعياذ بالله- ينسى كل نعمة مرت به
في حياته الدنيا. فما من محنة إلا وهي تهون بجانب محنة الدار الآخرة، وما من
نعيم إلا ويتضاءل حتى لا يكون شيئا بجانب نعيم الآخرة.
فمن قاسى شدة الدنيا ثم انقلب بعد ذلك إلى نعيم الآخرة فإنه بانقلابه إلى هذا
النعيم ينسى كل ما مر به من ضنك وشدة ومحنة ومعاناة في هذه الدنيا، على أن ما
يمر به في الدنيا إنما هو- كما قلت- موقوت؛ فالحياة نفسها موقوتة لا تدوم،
وكما لا تدوم شدتها، لا يدوم نعيمها.
* الفشل في تحقيق الطموحات: