الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨من معالم الفكر التربوي
﴿298﴾
عند الشيخ أحمد الخليلي
الحالات، فكم من الملوك أمسوا في السجون، هذا إن سلموا من القتل، وكم من أصحاب الجاهات المخدمين أصبحوا يتكفّفون الناس، وكم من الأثرياء أضحوا عالة على غيرهم يعيشون على نوال المحسنين، فهل أمن المستقبل عند هؤلاء مما حاق به؟ أو لا يحرص العقلاء على تأمين مستقبل الدين والعرض والشرف بإحصان أنفسهم عن الانحراف؟ أو ليس تأمين الدين من الأذى أولى من تأمين مستقبل الحياة الدنيا الفاني؟ لا محالة أن الذي حافظ على دينه، واتقي ربه، كفاه الله أمر دنياه.
والله تعالى يأخذ عباده بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، ولكن قست القلوب، فأنى لبصيص الذكرى أن يتسرب إليها، وقد جعل الله في القصص والحوادث عبرة لأولي الألباب، فمن حوادث الدهر، ما صنعه القدر بالمعتمد بن عباد ملك إشبيلية، فقد كان مترفاً أيام ملكه، وذات مرة أطلت امرأته الملكة من شرفة قصرها في يوم ماطر، فرأت بنات الفقراء، حافية أقدامهن يمشين على الطين، وبأيديهن القرب يستقين الماء، فاشتهت أن تمشي على الطين مثلهن، فأمر المعتمد من يعجن المسك والكافور والعنبر بأنواع الطيب، ويملأ فناء القصر بتلك العجينة، ووسيت لها قربة بالحرير والذهب، وخرجت حافية مع بناتها، يطأن على طين العنبر والكافور، فلما ذهبت دولته وأصبح سجيناً في أغمات، وحل بأهله الذل بعد العز، والفقر بعد الغني، فأصبحت بناته يغزلن للناس مقابل دريهمات يعشن بها، فعندما جئن لزيارته
"
في السجن، ورأى من حالهن ما رأى قال قصيدته:
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فساءك العيد في أغمات مأسوراً