الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧﴿27﴾
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي عليه، وفي رمضان المنصرم من سنة 1428 هـ كنت على يساره ننتظر أذان المغرب، فحدثني قليلا في موضوع كان بيننا، ثم عاد إلى تسابيحه واستغفاره فلا أسمع إلا أصوات الصفير تخرج من شفتيه، وتتضح بعض حروفها حين تخرج مع زفرات فؤاده، وكلما وفد أحد على المائدة حياه ورحب به، ثم عاد إلى عادته من الذكر، هذه روافد تغذي روحانيته إنه يستشعر يد القدرة تنتزعه بأي لحظة فهو في قلق دائم، وحذر مستمر، ورقابة الله لا تنفك، كأنه سيؤخذ هذه اللحظة أو التي بعدها، فماذا قدم لنفسه؟ وماذا كسب؟ كثيراً ما يردد في محاضراته وجلساته كل عمل ابن آدم محصي عليه"، " كل كلمة يتفوه بها يجدها في صحيفته يوم القيامة"
"1
هكذا شأن العبادة مع الشيخ أحمد الخليلي. لقد ألفته العبادة حين ألفها، ألفته لكثرة ملازمته ظلالها، ومصاحبته نفحاتها، لقد ألفته حقا وهي سر من الأسرار فسرت في روحه، واستحوذت على وجدانه، وامتزجت روحه بروحها، فذاب وتلاشى في سلطانها، وانداح في تيارها.
أنوار الحكماء تسبق أقوالهم
كان سماحته ذات مرة في تسجيل برنامج تلفزيوني، وفي طريق خروجه من المبنى يصحبه مرافقه فتح له باب الخروج فإذا بإحدى الفتيات العاملات أمام سماحته وجها لوجه اقشعر بدنها، تكهربت كل خلاياها، استولى عليها الارتباك أمام هذا العلامة والشيخ المهيب، كل ما أسعفتها به قواها أن تلقي عليه السلام، وهي تذوب عفة وحياء، وإذا بالسكينة تنسكب في فؤادها، حين تسمع نبرات صوت سماحته الندية يرد عليها السلام في هدوئه وسمته ووقاره، لم تكن تصدق ما يحدث أبداً، لقد كانت تلك النبرات موجات الطهر تغسل أدران الحياة العالقة بها، فكانت تلك الليلة حاسمة في حياتها، محطة محاسبة للنفس على ما فرطت في جنب الله، ونقطة تحول جذري في فكرها وسلوكها كم ارتعدت فرائصها أن يقابلها بالزجر والاستنكار، أو