من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩

﴿29﴾

معالم الفكر التربوي من عند الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله ـ لزيارته لبعض المفاهمة، فقلت سمعاً وطاعة، وفي أثناء عتابه المر لحظ تعاقب ألوان الطيف في وجهي، فتداركني بقوله: " مع هذا كله فأنت في سواد العين" وأخرج من جيبه زجاجة عطر العود فتعطرت، وما تزال أصداء تلك الجملة تتردد في نفسي، فكل إنسان يحمي سواد عينه من كل أذى وقذى، إنها عزيزة غالبة، حقيق بمثل هذه الجملة أن لا تترك أثراً بعدها، فكيف إذا كانت المعاملة بعدها أرقى مما تتوقع أهي ياترى بلاغة الكلمات؟ وجزالة المفردات، وجودة السبك؟ ورصانة التعبير؟ كلا، فكم من كلمات طنانة رنانة سمعناها، ليست إلا مجرد ضجيج يصم الآذان، ولا يعرف إلى القلب سبيلا، تهريج وهذيان ينخدع به كل مهرج مبهرج مسكين، لإنه لا يدرك أن للكلمات قلوباً تعانق قلوب البشر، وأرواحاً تمازج أرواحهم، فحين تتجرد من أرواحها تبقى حروفها جثثاً هامدة، لا حراك لها ولا حياة بها، ولذا تنطلق ميتة وتصل هامدة، أما كلمات سماحته فهي دفقة حياة، وقبس نوراني تستمد قوتها من روح صاحبها الصافية وتقتبس نورها من أنوار قلبه المشعشعة، فتجلي غياهب الظلمات بنورها الساطع، وتبعث الحياة في القلوب الغفل الذابلة بحياتها الدافقة بالروحانية التي تستمدها من محبة الله ومخافته والاستسلام لأمره، والانقياد لحكمه، واستشعار مراقبته الدائمة سراً وجهراً، إنها نفحة من نفحات الله التي يسبح في خضمها ـ حفظه الله وأبقاه. وإن كنت أنسى فلن أنسى تلك الموعظة البليغة التي ألقاها علينا سماحته في سنة من السنوات حين كسفت الشمس بين العصرين، فنودي في جامع السلطان قابوس بروي الصلاة جامعة فصلي بنا سماحته صلاة الكسوف، ثم التفت إلينا وهو جالس، وألقى علينا درساً وعظياً هزنا به من الأعماق هزاً عنيفاً، وعلى كثرة ما أسمع دروسه فما رأيته واعظاً بليغاً كذلك اليوم، الله تلك الكلمات الروحانية التي صوّر لنا فيها قدرة الخالق العظيم وتصريفه للكون وخضوع كل الموجودات لأمره وقهره ثم تحدث عن الآخرة وانقلاب الناس إليها، وحث الناس على محاسبة أنفسهم حين تمر بهم هذه الآيات، حقاً

٣٧٩ / ٧٠٦