الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣١من معالم الفكر التربوي
﴿31﴾
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأمور بغير علم، فما أشكل عليه توقف عنه، ونزه نفسه عن الحوم حول
حماه.
يبح
إنَّ عبادة الله على بصيرة ليست حلماً وردياً يداعب الخيال، ولا هي مطمحا سهل المنال، وإنما هي أمنية تتطلب التشمير عن سواعد الجد والاجتهاد، وحرمان الأعين من لذيذ الرقاد، لذا كان سماحته يسهر الليالي الطوال في القراءة والاطلاع، لم تدغدغ طبيعة تنزانيا الخلابة خياله، ولم تستحوذ نسماتها اللطيفة على شغاف قلبه، وما استلذت نفسه أطايب الفواكه والثمار كما كان يستطيب فكره بدائع الآثار في التفاسير والسنن وكتب الفقه والأخبار، لذا كان أبواه كثيراً ما يجدانه منكباً على وجهه في بطون الكتب، قد أنهكه السهر، وأخذ منه النصب مأخذه، إنه لم لنفسه أخذ قسط من الراحة عن طيب نفس إلا وهي ملزوزة إليه لزَّاً، مدفوعة إليه بدافع الفطرة الإنسانية، ها هو أبوه بما فطر عليه من الحنان الأبوي يكاد يتفطر قلبه شفقة على فلذة كبده وشطر حياته حين يراه على هذا الحال، يواصل كلال الليل بكلال النهار، فيدنو منه بكل شفقة وحنان، ويلين له الخطاب، وكأنه يترجاه، بل يشكو إليه، يا بني لو رفقت بنفسك قليلا، يا بني ها أنت جفيت لذة المنام، وحرمت نفسك من أطايب الطعام، ندعوك لتناول وجبة الغداء أو العشاء معنا فيطول انتظارنا، وأنت منهمك في هذه الكتب، يا بني، ألا ترفق بنفسك قليلا؟ فإنَّ لجسمك عليك حقاً، وليست ثمت إجابة لدى الفتى الطموح سوى دمعة تحترق في عينيه، ونظرة حزينة تغادر وجه والديه وتغيب في الأفق، ماذا عساه أن يقول؟ إنها شفقة تفتت على صخرة عزمه، وجلمود
إرادته.
كان يمشي على الأقدام لحضور حلقة شيخه مدة ساعتين، مستغلا وقته في استرجاع محفوظاته؟ الحافز نادر والدافع عزيز، لا ريب إنك تدرك - أيها القارئ الكريم - أن الأمر لم يعد محصوراً بالرغبة في طلب العلم فقط، الأمر