من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٢

﴿32﴾

من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد أعمق من ذلك بكثير، إنَّها تصورات أخرى لا يتوقع تفتح أزاهيرها في مثل هذا السن المبكر، ولكنها الهبات الربانية لمن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من عباده لما يشاء من معالي الأمور، إنّها مكانة الله في قلبه، وعلمه به جل وعلا، وكأني به يرمق الناس في غمرات أعمالهم وهو يردد " وما قدروا الله حق قدره" كيف يهنأ بالرقاد إذن؟ وها هو ينخرط في بكاء مر يوم أن توفي الإمام الخليلي، وحين يسأله والده عن حرقته ولوعته وسر بكائه، يا بني ما الذي أشجاك وأبكاك بهذه اللوعة؟ فيجيب الفتى يا أبتاه من سيعلمني بعد وفاة الإمام الخليلي؟ إنه ابن اثني عشر ربيعا فقط ولما يبلغ الحلم بعد. لقد طبع ذلك روحه بشفافية مرهفة، وأورثه خوفا من خالقه جل وعلا، ولذا عندما كان يرعى حيوانا لهم في صباه وتعدى مرة على مزارع الآخرين لم تبح له نفسه بعدها أن يفلت حبله من يده في رعيه وكان يشتد نكيره على خاله سليمان بن حمود الذي كان يقطف بعض الثمار من الأشجار العامة بزنجبار، وينصحه بعدم العودة لمثلها تورعاً، ونمت المخافة في قلبه بتعهده الدائم لها بالرعاية والعناية والتنمية حتى أضحى لرهافة روحه سريع التأثر، تستجيش بكاءه أدنى المواقف التي تذكره بيوم الحساب، فكم مرة بكى وبكى لذكر نار جهنم، أو حين يمد يديه إلى السماء ضارعا إلى الله تعالى "، وأذكر مرة أني كنت في العمرة بصحبة مجموعة من الشباب، وفي إحدى المرات كنا قد فرغنا من الطواف حول البيت وجئنا لنصلي ركعتين خلف المقام، فأسعدنا القدر هناك، بوجود سماحته يصلي وبعد أن فرغ من صلاته طلب منه أحدنا أن لنا دعاء جماعياً، فوقف واستقبل البيت العتيق، ورفع يديه إلى السماء

يدعو

(1)

مبتدئا بالثناء على الله عز وجل وما لبث إلا هنيهة حتى غلبه البكاء.

هذه الطبيعة القويمة المستقيمة التي حبا الله تعالى بها الشيخ أحمد الخليلي جعلت منه رجل صدق وبرهان حق، وينبوع خير لا ينضب، لا يبتغي من

(1) راجع الجزء الأول من معالم الفكر التربوي عند سماحة الشيخ الخليلي، ط 2، 121 - 123

٣٨٢ / ٧٠٦