أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٢٦وقفٌ على السنّة البيضاء سعيُهمُ … وفي الجهادين إنْ عزّوا وإنْ هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتُهم … ولاثنى عزمهم نفسٌ وشيطانُ(1)
… إنها أبيات تزخر بمعاني الفكر السياسي والتاريخي للمذهب الإباضي، ضمن لوحة يرسم فيها الشاعر ملامح أئمة الإباضية وصفاتهم، ليقدمها للقارئ في صورة زاهية، فذكر الشاعر تعاقب الأئمة الاباضيين الذين أطلق عليهم "خلفاء الله" على منصب الإمامة، منذ أن عقدت أول إمامة في عمان على الإمام الجلندى بن مسعود (ت 134هـ) إلى أن ختمت في ذلك الوقت بإمامة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي عام (1252هـ-1287م) ضمن سلسلة تم على يدها نقل هذا الدين وحفظه (يقصد المذهب) أما صفات هؤلاء الأئمة فهم كالاسود في شجاعتهم وإقدامهم، وكالرهبان في تبتلهم وعبادتهم، وكالجدران الحصينة في الحفاظ على دين الله، وبسبب ذلك استحقوا مديح القرآن فيهم، حين تمكسوا بالحنيفية الزهراء، وتأسوا بسيرة العمرين، متعطشين لنيل الشهادة في سبيل الله، أو ما سماه الشاعر "شربة النهروان" ولا يخفى ما في هذه الأبيات من ملامح تاريخية تتصل بتعاقب الأئمة في عمان، ولمسات فكرية، تنطق برأي المذهب في سيرة الخلفاء الراشدين، حينما يجعلون من سيرة العمرين السيرة التي تحتذى لأنها سيرة لم يكدر صفوها مكدر.
… ويكمل الشاعر رسم صورة ملامح الأئمة وصفاتهم فهم "صعب الشكائم" في ذات الله، متواضعون لعباده، يعلو جباههم النور، متبعون لسنة رسول الله، واضعون أوامر ربهم نصب أعينهم، ثم بين في ثنائية ومقابلة، كيف أنهم في الحق أسمع الناس وأبصرهم، وفي الباطل: صم وعميان، لم تختلبهم الدنيا بزهرتها، باعوا ما يفنى بما يبقى.
… ونجد أن ذات الشاعر تندغم مع هذه الصفات فيفخر بهؤلاء الأئمة، وينتشي بذكرهم، فيحلق الشاعر إلى أفق رحب يصل به إلى حد المبالغة التي تعكس شدة التعلق بهم حين يقول:
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 231، 232.