أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٩١

… الشكوى من الدهر تعكس حالة المعاناة النفسية للشاعر، فحين يعبر عن تذمره من الدهر إنما يبدي في سياقه الشعري انعكاس الزمن على الذات، فالشاعر الإباضي لم يكن يؤرق باله، ويثقل كاهله الخوف من الموت، ولا القلق من نهاية الحياة، لكنه يعتب على الدهر ويشكو منه، حين يقلب ظهر المجن على أحرار الأمة، فيكرم الأراذل من الناس، كشكوى أبي سلام الكندي، الذي ينعى على الزمان إهانة الأحرار، وإبعاد الكرام، وإكرام الجهال، وكأنه زمن انقلبت فيه الموازين، يقول:

فمالي أرى الجهالَ طالت قناتُهم … فأصبح فردٌ منْهمٌ يملك الوَرَى

فمن نكدِ الأيامِ أضحى يسوُدنا … ذوو الجهل إذ صفوُا الزمان تكدّرا(1)

ويتكرر عنده هذا الإحساس في مواطن عدة، مازجا بين شكواه من الدهر، وشكواه من الناس، الذين ذهبت غيرتهم، وتغيرت صفاتهم، حتى العلماء الذين كان يعقد عليهم الآمال، لم يعودوا يقومون بواجباتهم، يقول:

إنَّ عصراً نشأتُ فيه لعصرٌ … أصبحَ الوغدُ في مقامِ الكريمِ

وبنو العلم نُوّمٌ ليس فيهمٍْ … من يُرجّى لهول يومٍ عظيمِ

وبغاثُ الطيورِ أضحت بزاةً … والضواري تصادُ وَسْطَ الحريمِ

ذهبت غيرةُ الرجالِ وعادت … شِيَمُ النّاسِ في الضّلالِ القديمِ(2)

… ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له، ولمجتمعه، معددا مظالمه، مبديا مآخذه عليه، وهو ينطلق في كل ذلك من منطلق ديني اجتماعي، وكأن الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيحت دماؤهم، واتنهبت أموالهم، والشاعر في شكواه هذه، إنما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية، النابعة من الفكر الإباضي حين يقول:

فيالكَ دهراً قد شجتني خطوبُه … به عصفت للجورِ نَكْباءُ زعزعُ

تبدّلت الأحكامُ فيه وعُطِّلَتْ … حدودٌ وسِيَم الخسف ما الله يرفعُ

(1) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد، ديوانه، مخ، 16

(2) المصدر نفسه، 18، 19.

١٩١ / ٢٥٦