أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٩٦… والمكان في نظر الشاعر الإباضي يكتسب قدسية خاصة لا لذاته، بل لما يحتله من مكانة في التاريخ الإباضي، ولارتباطه بخلفية ثقافية خاصة في الفكر السياسي الإباضي.
… وعليه نفهم سر ارتباط الشاعر الإباضي بعمان عموما، ومدينة "نزوى"(1) خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح، سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة الإباضية العمانية، منذ نهاية القرن الثاني للهجرة، سنة (192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (ت 207هـ)(2) وتعاقب على أرضها أئمة عدول.
… فنزوى المكان تستمد روحانيتها، من عبق عظام أولئك الأئمة، الذين تعاقبوا على أرضها، فهي تمثل رمزا من رموز التواصل الثقافي والسياسي للمذهب الإباضي، فلا غرو بعد ذلك، أن يخاطبها عدد من الشعراء، فيتغنى بأمجادها، ويتذكر تاريخها، وعلى رأس هؤلاء الشعراء، أبو مسلم الرواحي، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية، بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت – حينها- جانباً من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة فاكتسبت بعدا تاريخيا، وبعدا دينيا، وبعدا مكانيا، وبعدا وطنيا.
… يعد الشعور بالارتباط بالمكان الذي رأى الإنسان فيه النور، وتربى في ظلاله، أمرا طبيعيا، لا سيما إذا ارتبط هذا المكان، بذكريات من نوع خاص، وبقدسية خاصة.
… وشعر أبي مسلم المكاني تعبير عن رؤية خاصة يتجاوز شوقه إلى الأماكن وذكريات الصبا، إلى موطن سياسي ديني، حيث يقول:
(1) نزوى: هي العاصمة القديمة لعمان، ومقر الإمامة تقع على سفح الجبل الأخضر من الجنوب، تبعد عن مدينة مسقط، العاصمة الحالية لسلطنة عمان مسافة 160كلم. انظر السيابي: سالم بن حمود، العنوان 63
(2) هو الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي الأزدي إمام فقيه بويع بالإمامة بعد موت الإمام الوارث بن كعب الخروصي عام 192هـ. أنظر دليل أعلام عمان 125.