أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٩٥ولكنْ قُصارى العبد شَكْوى يبثُّها … إليك ودمعٌ يستهلَّ المآقيا
وتمزيقهُ في ظلمةِ الليلِ قلبَهُ … وترجيعُه غوثاه غوثاهُ قاصيا(1)
وشكواه لله عز وجل تنعكس فيها آثار فكر المذهب، حين يدعو إلى الثورة على الظلم، ويتوجه إلى مولاه شاكيا فعل الظلمة وتعدّيهم، كأن يقول:
إلى الله أشكو وهو مُنْتقِمُ يداً … عَتَتْ وبَغَتْ واستعبدت خير أمَّة(2)
… وقد يشكو الشاعر وقع الظلم على نفسه، موجها شكواه لرب العباد، قائلاً:
إلهيَ عَبْدٌ من عبيدك ظالِمٌ … رماني بسهمِ الظُّلمْ منه فأصْمت
تخطّى خُطى العدوانِ والمكرِ آمناً … وعينُك بالمرصادِ في كلّ خُطوَةِ(3)
… ويعد الشاعر شكاية حاله لمولاه، مظهرا من مظاهر العبودية لله وحده، ولذلك يتوجه إليه في مناجاته قائلاً:
أحاطَ بي الكَرْبُ العظيمُ وأنت يا … لطيفُ عظيمُ اللّطفِ في حَلّ كُربتي
نعم عَرْضُ حالي نجعةُ من مقاصدي … إليك وفرضٌ من فروض العُبودة(4)
… ومن صور الإحساس بالزمن عند أبي مسلم ما نجده لديه من إشارة لطيفة إلى أنه لو قدر له أن يعيش أحقابا ويؤتى أعماراً، ويمنح مجموع قوى الخلق، وكان أكمل خلق الله عبادة، فإن قدرته على أداء حقوق الله قاصرة، يقول:
ولو عشتُ أحقاباً وجئتُ بمثلها … من الخير والطاعات عَدّ الخليقة
وجئتُ بجهد العابدين تعبّداً … بتمزيق أوصالي وإفناء مُهجتي
وقَصّرَ دوني منْ خلقتَ وكُلَّ منْ … ستخلقُ ربي في مقاماتِ زُلفتي
لما كانَ من قَدْرِي بأنك شاكري … على نعمة خَوّلْتها ضعفَ قُوّتي(5)
-4-
قدسية المكان عند الشاعر الإباضي :
… علاقة الشاعر –أي شاعر- بالمكان علاقة متجذرة في النفس، متأصلة في الأعماق، يؤججها الشوق – أكثر- إذا ما خرج الشاعر من ذلك المكان.
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخطوط، 93.
(2) المصدر نفسه، 50
(3) المصدر نفسه، 27
(4) الرواحي، السابق، 28
(5) المصدر نفسه، 29