أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ٥٩… ونجد الشيخ الشاعر عبد الله بن عامر العزري(1) يركز على الأدلة العقلية التي تنفي وقوع الرؤية، نظرا لما تقتضيها الرؤية من احتواء المكان والجهة، ومبينا أن المرئي لا بدّ أن يكون متحيزاً في جهة محددة، والله سبحانه وتعالى من صفاته الوجود في كل مكان، لا تحويه الأمكنة، ويرد أيضا على الدليل العقلي الذي يذهب اليه القائلون بالرؤية، وهو أن كل موجود يرى، حيث يؤكد أن هنالك موجودات لا ترى كالريح وما شابهها، فيقول:
ما حوتهُ جهةٌ أو زَمَنٌ … كيف يحوي ذاتَه دَرْكُ البَصَرْ
ما نفينا كونَه في جهةٍ … إنْ وصفناهُ بإدراكِ البصَرْ
إنْ زعمتم كلُّ موجودٍ يُرى … هل تُرى الريحُ وأرواحُ البْشرْ(2)
…
ويرى الإباضية أن نفي الرؤية من لوازم التنزيه لله سبحانه عن مقتضيات الرؤية ومتطلبات الإبصار، فكل مرئي حال في مكان، وهو متبعض، يقول الشاعر العلامة سفيان ابن محمد الراشدي:
واقذف من التنزيه نورا يدفعُ التـ … تشبيه يزهقْه ولا تتحمّل
أتراك قد نزهته إذ قلت قد … يأتي ويذهبُ أو يُرى الربُّ العلي(3)
… هذا بعض التأثير الذي تجلى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقائدي، أما أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانبا عقائديا بحتا، فلا ريب أنها كانت مقصودة قصدا موظفاً، ليغدو الفكر العقائدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال العاطفي والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية، فهل ينجح الشاعر في ذلك؟
(1) هو الشيخ العلامة عبد الله بن عامر بن مهيل (بتشديد الياء) العزري، أحد قضاة الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي، وهو أديب شاعر، توفي سنة 1358هـ. ينظر الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3: 216-218.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3: 217.
(3) المصدر نفسه، 3 : 245.