مجلة الحياة، العدد 11 مجلة الحياة

كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية

الجزء ١ · صفحة ٣١٢

وبعد المكان، ناهيك أنك يطيب خلقك وخلاصة محتدك(1) أخذت ــــ حين رحلت ـــــ قلوبنا معك.

كثير من الذكريات تضيع في غياهب النسيان، ويطويها الدهر في حافظة الزمان، فلا تفتح ولو كد المرء عقله، ونخل فكره، وما أكثرها! ولكن تبقى في النفوس قلائل من الذكرى عوالق النفس لا يزيلها دوران الزمان ولا كر الأيام، وإن ذكرياتنا معك لا نزال نمسي ونصبح على رحيقها العذب السلسال.

سيدي …

ألتمس المعذرة على تقصيري في حقك واستسهالي الكتابة إليك، على غير مقدرة مني أو كفاءة، ولكني علمت منك جميل الخصال ورائع الصفات والخلال، تسامح المذنب في حقك، وتغفر زلة المخطئ في جنابك، وعلمت أن علمك يسبق جهلي وحلمك يسامح نزقي.

إِذَا مَرِضْنَا أَتَينَاكُمْ نَزُورُكُمْ

وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ فَنَعْتَذِرُ

وأنت تعلم، أنَّ بداية خطأ التلميذ تظهر عند أستاذه، ومعلمه، وأنت دوما تدفعني إلى الكتابة وتحضني عليها؛ ليستسهل قلمي الطريق بالنقد والتحقيق، وها أنا ذا بعد لأي(2) أكتب إليك وأسأل عليك. فإن وجدت في قولي ما لا يفهم وفي تعبيري ما لا يعلم، فإني أسألك نقدي بالكتابة إلي كي أعلم المستحسن من المستهجن.

لا يزال لقاؤنا الأول يمثل أمامي وكأنه الساعة(3)، لم أدر أن الأيام ستصنع من ذلك اللقاء القصير باكورة صداقة حميمة، قل أن يجود الزمان علي بمثلها، وكيف لا تكون كذلك وأنت عمودها الضارب بأطنابه في عمق الأرض الشامخ بجريده في عنان السماء؟ كيف لا وأنت المناجي للخصال الحسنة، المناوي لكل فكر يحاول أن يلبد سماء صداقتنا بفاحم غيومه وشائن عيوبه؟

لم أكن أعرف شخصك الكريم، ولكنني كنت أسمع عن اسمك يتردَّد في الساحة الثقافية، ويقرع آذان

(1) المحتد= الأصل.

(2) بَعْدَ لأْيٍ= بَعدَ جُهد وتَعَب.

(3) كان ذلك عام 2000م.

٢٨٤ / ٣٠٤