كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٣١١العينين، غافي الفؤاد، إذ ليس فيها لمثلي كبير عناء، ولكني حين أخاطب البحر واقفا على شاطئه الهادر، حافي القدمين، عاري الصدر، كان لا بد لي أن استفز قدراتي واستنطق كوامني، مستعدا بكل جارحة من جوارحي التي ما فتئتْ تسبِّح الله خالقها وتلهج بذكره ليوفقها في مُهمَّة كانت تبدو لوهلة مستحيلة.
وَشيخًا في الشَّبَابِ وَلَيسَ شَيْخًا
يُسَمَّى كُلُّ مَن بَلَغَ المشِيبَا
قَسَا، فَالأُسْدُ تَفْزَعُ مِن يَدَيهِ
وَرَقَّ، فَنَحنُ نَفْزَعُ أَن يَذُوبَا
أَشَدُّ مِنَ الرِّيَاحِ الهُوجِ بَطْشًا
وَأَسرَعُ فيِ النَّدَى(1) مِنْهَا هُبُوبَا
فَلاَ زَالَتْ دِيَارُكَ مُشْرِقَاتٍ
وَلاَ دَانَيْتِ يَا شَمْسُ الغُرُوبَا
سيدي …
إنَّ الذكريات التي مازالت محفورة في مخيلتي والتي تداعب خلجات صدري بين الفينة والأخرى، تنقلني في يومياتها الحالمة إلى عالمٍ طالما تمنيت أن أعيشه عالم أمثالكم ساكنوه، عالم أنتم معلموه، وتلامذته، وأنتم تجاره وساسته، وأنتم نبلاؤه وعامته أنتم زراعه وحاصدوه، أنتم الكون والكون أنتم مازلت ــــ سيدي ــــ أذكر هذا العالم الذي رسمت له ملامحه وخطوطه وأنا واقف على شواطئكم الناعمة والشمس آية للسقوط، ما أجملها وهي تلقي بأشعتها الذهبية الرائعة على كل نسمة في الوجود، تمد خطوطها الحريرية لتضرب في صدور العالمين، تعانق خيالات العشاق، ترسم في وجوههم الأمل بلقاء الحبيب، تودع الدنيا في يومها، علها تشرق في يوم جديد على عالم أفضل، وحياة أجمل، ونفوس أزكى، وأحلام أرقى، عالم تسود فيه المحبة على النفوس وتتوج المودة ملكة القلوب.
سيدي …
إن الأيام دول والسنين قُلَّب، ولولا يقيننا بالمعاد لبكينا تقلب الزمان وشكونا فراقك لنا، ووالله لو كان الزمان ناقة تقوم وتبرك لتكالبت الأيدي لتمسك زمامها فتنيخها فترة من الزمان، نظفر بك لحظة وننعم بك لمحة، ولكن كما ــــ قلت ــــ هو يقيننا باللقاء مهما طال الزمان
(1) الندى= الكرم.