مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٢وتوالى تجديد بني مزاب لولائهم للدولة العثمانية عندما قام كل من محمد الكبير(1) باي معسكر، وصالح باي قسنطينة، ببسط سلطتهما نحو الجنوب فقد دخل الباي محمد الكبير مدينة الأغواط في28 ربيع الأول 11 فيفري 1199هـ/ 1785م، فانقادت له جميع القبائل المجاورة والتزمت طواعية بدفع الخراج.
وتجسيدا لهذا الولاء و إحقاقا للتبعية السياسية فقد التزم مزاب بواجب دفع خراج للسلطة المركزية. ويصف توفيق المدني هذه التبعية للعثمانيين بأنها «اسمية فقط … فكان استقلالهم مطلقا في بلادهم». وكان الاتفاق بينهم وبين أهل مزاب على الولاء والطاعة على أن يتولوا بأنفسهم شؤونهم الداخلية.
أما صالح باي قسنطينة فيبدو أنه لقي من حسن باشا الدولاتلي(2) داي الجزائر قبولا لطلبه إلحاق مزاب إلى ولايته بيليك الشرق ووضعهم تحت سلطته، و كان ذلك سنة 1206 هـ/ 1792م. وسببه سوء تفاهم حدث بينه وبين رعاياه من التجار، على حجم الضرائب الواجب دفعها لخزينة الباي، ومن هؤلاء تجار مزاب بقسنطينة.
وسارع الداي الجديد إلى عزل صالح باي قسنطينة بعد أن عين إبراهيم بوصباع مكانه. غير أن أشياع صالح باي اغتالوا خلَفه فور وصوله المدينة، فعين الداي لبيلك الشرق بوحنك بايا جديدا مرفوقا بجيش لمعاقبة صالح باي وشيعته، وتمكن بوحنك باي من ذلك وتم إعدام الباي المخلوع.
وبعد مراسلة المجلس الأعلى لوادي مزاب الداي حسن باشا في هذا الشأن بواسطة أمين المزابيين بمدينة الجزائر إبراهيم بن صالح، انتهت بإبطال السلطة المخولة إلى صالح باي وعزله ومعاقبته. وفي هذا الصدد يقول الشيخ إبراهيم بن بيحمان(3) في
(1) – محمد الكبير باي معسكر وفاتح وهران في 1792،
(2) حسن الدولاتلي خلف الداي محمد عثمان باشا إثر وفاته في ذي القعدة 1205هـ /12 جويلية 1791م بعد أن رشحه لهذا المنصب. انظر: رابح بونارر، المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط3، دار الهدى، الجزائر، 2000، ص.379.
(3) - إبراهيم بن بيحمان ابن أبي محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني اليسجني من علماء بني يسجن البارزين، أخذ العلم عن خاله الشيخ عبد العزيز الثميني (ت: 1223ه/1808م)، وعن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (ت: 1202ه/1787م).هو من أنصار النهضة الإسلامية الحديثة، والدعاة لها بالخطب والوعظ والإرشاد، فكان يتنقَّل بين مدن وادي ميزاب يدعو إلى العلم ويحارب الجهل والبدع. له تلاميذ كثيرون، وكانت له صلات وثيقة بعلماء الجزائر والمغرب وعُمان، فكان يراسل الإمام سليمان بن عبد الله الإسماعيلي إمام سلطنة عمان؛ كما أنَّ له مراسلات إلى البايات والدايات الأتراك - باسم مجلس عمِّي سعيد، الذي كان كاتب تقاريره - منها رسالة بتاريخ 1206ه/1791م أرسلها إلى داي الجزائر الحسن الدولاتي، يستعطفه فيها، طالبا منه التدخُّل والحيلولة دون قبول الطلب الذي تقدَّم به باي قسنطينة - الباي صالح - لبسط نفوذه على الرعايا الميزابيين. وقد حُفظت لنا كلُّ هذه المراسلات في مخطوطات بخطِّ يده. وهو شاعر تمتاز قصائده بقيمتها التاريخية، وإن لم ترق إلى مستوى الشعر الجيد من الناحية الأدبية. له مؤلفات عديدة، نذكر من بينها:
*تفسير آيات النور من سورة النور، وتفسير سورة الفاتحة، وتفسير سورة العصر سماه: «أصداف الدر وأكمام الزهر الموضوعة على سورة العصر» (مخ).
* «حاشية على تفسير أنوار التنزيل وأسباب التأويل» (مخ)، منها نسخة بمكتبة الاستقامة. … * «شرح موازين القسط» لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل (مخ). … * «الرحلة الحجازية» نثرًا ونظما (مخ).
* شرح مجموعة من الأحاديث (مخ).
*تلخيص عقائد الوهبية في نكتة توحيد خالق البرية» (مخ)
*قصائد عديدة منها: قصيدة البردة في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - طبعت سنة 1387م/1967م. وقصيدة في رثاء شيخه عبد العزيز الثميني، وأخرى إلى حاكم الجزائر الحسن باشا الدولاتلي (مخ).انظر: معجم أعلام الإباصية